كيف يُغرّب الأدب واقعنا؟
وتفاصيل توبتي القرائية عن الانطباعات الأولى
تسعون بالمئة من انطباعاتي الأولى لا تتغير. لا أقول أنها صحيحة (ولو أن أغلبها كذلك، وهذه حقيقة لا غبار عليها)، ولا أنها تستنفد بالضرورة كل الأبعاد. ما أقوله هو أن سلطان أسبقيتها يمتد لكل محاولاتي اللاحقة في تعديل أو تحسين أي انطباع. فما بالكم لو أضيف لها رأسي اليابس؟
وفي القراءة تحديدًا، ما أكثر الكتّاب والكاتبات الذين لا أفكر حتى بمعاودة قراءتهم مجددًا، وذلك عطفًا على سوء تجربتي الأولى معهم. الحياة أقصر من إضاعتها في قراءة ما يرفع الضغط، ولا وش رأيكم؟ (أشوفك ياللي ناوي تقول إنه الحياة أقصر من قراءة خربوشاتي).
ولكن يحدث أحيانًا أن تلح العشرة بالمئة المتبقية لتتساءل عما إذا كانت ظروف الانطباع الأول ملائمة لاتخاذ حكم نهائي. ربما قرأتُ الكتاب نعسانًا أو مضغوطًا أو غير ملم بخباياه، أو ربما تسليكًا لصديق أو صديقة، أو ربما قرأته في ظل انبهاري بكتابٍ سابق له، مما يجعل فضائله ورذائله تتوارى وتتضخم قياسًا على فضائل ورذائل ما يسبقه.
هذا التعليل الأخير هو الذي دفعني للشك بعدالة قراءتي الأولى لمحسن حامد وروايته “مخرج غرب“ (٢٠١٧). قرأتها في منتصف ٢٠٢١، مباشرة بعد إنهائي لرواية “وزارة السعادة القصوى“ (٢٠١٧) لأرونداتي روي. سيلحظ قارئ الخربوشة النبيه صدور الروايتين في العام نفسه، ولربما سيؤدي بحث سريع لنتيجة مفادها أن الروايتين تتشاركان ثيمات عديدة، أقلها تناولهما للصراع حول منطقة كشمير والسياقات المتداخلة في صياغة الصراع من منظور أشمل. ولأني قرأت العملين في معرض كتابتي ورقة بحثية حول دور الأدب في تعميق فهمنا للعولمة بعد الحرب العالمية الثانية (اللي وده يقرأ الورقة يراسلني)، فمن الطبيعي أن يتحول انبهاري برواية روي وحذاقة تصويرها الأدبي لواقع متشابك إلى خيبة أملٍ حول كيفية معالجة محسن حامد لثيمات شبيهة.
مالكم بالطويلة. ظل انطباعي الأول عن محسن حامد على حاله ثلاثة أعوام، وتحديدًا حتى جلسنا أنا وحسين الضو نخطط للقادم من حلقات كتبيولوجي. اقترحتُ رواية “الأصولي المتردد“ (٢٠٠٧) لأن نبذة الرواية مشوقة للحد الذي يجعلني أتقبل إعطاء محسن حامد فرصة أخرى. هذه نبذة الرواية كما ترد في موقع القراءات الجيدة:
رواية معاصرة بأحداثها وأدواتها بطلُها شاب باكستاني طموح يتحدَّر من أسرة مرموقة. يقرِّر الهجرة إلى الولايات المتَّحدة، ملاذ الحالمين بعالم أرقى! تراه هناك يحقِّق النجاحات ويبدو لافتاً على الصعيد المهني والاجتماعي، ويدخل في علاقة حبٍّ رائعة مع حسنائه إيريك. تقع أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وتنقلب الأمور رأساً على عقب... وكأن الطائرتين قد فجرتا مصيره المهني ومصيره العاطفي وهما تفجِّران البُرجين في نيويورك! إنها لعنة 11 أيلول قد حلَّت عليه، شأنه شأن الكثيرين من العرب الذين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بما جرى وما سوف يجري ذات يوم. رواية تصوِّر بواقعية جميلة وقاسية بأن التحول الدراماتيكي الذي طرأ على الصراع بين الغرب والشرق، ممثَّلاً بما واجه بطل الرواية، الذي اغتالوا طموحه وطاردوا حتى أحلامه في مهدها.
تحمستون؟ جربوا اقرؤها، ربما تعجبكم لدرجة تسجيل حلقة بودكاست وكتابة تدوينة عنها، كما أعجبتني وفعلتُ أنا. واضح الآن أن انطباعي الأول عن محسن حامد قد تخلخل وانزوى، سامحًا لقراءات مغايرة بالتسلل محله. ولذا، حين وجدت نفسي فاضيًا ساعتي زمان في أڤنيوز البحرين، وقصدت مكتبة ذات السلاسل لشراء كتابٍ يصبرني على مرور الوقت، لم أتردد في شراء رواية “كيف تصبح فاحش الثراء في آسيا الصاعدة“ (٢٠١٣) ما إن وجدت اسم محسن حامد على غلافها. لا أكتب هذه الخربوشة من باب تسجيل إعجابي بالرواية وحسب، بل للإجابة ولو جزئيًا عن السؤال الذي ما برح يلح عليّ طوال رحلة قراءتها: كيف يجبرنا تغريب الأدب للواقع على رؤية الأمور من زوايا جديدة؟
إذا قرأتم الجملة السابقة وقلتم أن هذا أسلوب شات جبت، فلربما تحتاجون لأخذ نقاهة قليلًا من السوشال ميديا.
ما علينا. سؤال علاقة الأدب التغريبية بالواقع من أقرب الأسئلة لقلبي. ثمة تغريب على المستوى اللغوي بطبيعة الحال، أي على مستوى تعريف العمل الأدبي بكونه يوظف اللغة بطريقة غير الاعتيادية. بهذا المعنى، يكتسب العمل الأدبي “أدبيته” من خلال استخدامه لغة غرائبية مقارنة بالحياة اليومية.
ولكن ما أقصده هنا أبعد من ذلك، إذ يتعلق في المقام الرئيسي بقدرة الأدب على تناول الواقع ومعالجته بما يجبر قارئه على معاودة التأمل فيما كان مألوفًا. تخيلوا أنكم تمرون يوميًا على شارع ما، على الأبنية نفسها، المحلات نفسها، السيارات نفسها، والأشخاص أنفسهم تقريبًا. بمرور الوقت، قد يتحول اعتيادكم حاجزًا يحجب ملاحظة التغيرات الطارئة؛ أسوار تشحب ألوانها، أرصفة تغبر وتتآكل، نوافذ تفقد لمعانها، ومحلات تغير أنشطتها. لكن لو حدث وأراكم أحدٌ صورةً للشارع نفسه قبل سنوات، لربما هالكم ما حل بالشارع. بل ربما أيقظت الصورة ذكرياتٍ انزوت في حجرات الماضي الشخصي.
لا أعرف مدى ملائمة المثال، وقد كان في الحقيقة أحلى بذهني، ولكنه يقرب الفكرة إلى حد ما. من شأن العمل الأدبي الإتيان بنتيجة مشابهة. فإذا كانت الصورة تغرّب الحاضر عبر استحضار “حاضر” سابق (تغريب تاريخي إن صح التعبير)، فبوسع العمل الأدبي تغريب الواقع بمختلف الوسائل هو الآخر. ظاهريًا، تبدو روايات محسن حامد الثلاث أبعد ما يكون عن بعضها. تحكي الأصولي المتردد حكاية شاب يتبدل قلبه تجاه الغرب وفكرة التقدم وغيرها، وتتناول كيف تصبح فاحش الثراء في آسيا الصاعدة قصة صعود شاب من أدقع مراتب الفقر إلى الغنى ومن ثم سقوطه للهاوية، في حين تدور مخرج غرب حول اللجوء (immigration) والأبواب السحرية التي تأخذ بداخليها لدول وقارات أخرى.
لكن تجاوز الظاهر يكشف عن لبٍّ تحويلي كامن في الروايات الثلاث. في الأصولي المتردد، يحل القارئ مكان المخبر الأمريكي الذي يحكي له جنكيز حكايته، فلا يملك بدًا من تلقي القصة كما لو أنه إحدى الشخصيات. في كيف تصبح فاحش الثراء، يخاطب السردُ القارئَ بإرشادات تشابه ما يرد في كتب تطوير الذات (سأتفصل في الموضوع أكثر أدناه)، وهي حيلةٌ تستجلب القارئ لمعمعة الأحداث كأنه بطلها. أما في مخرج غرب، نجابه انكماش المكان والزمان مع كل باب سحري، الأمر الذي يسلط الضوء على الهجرة بصفتها شرخًا في نسيج العلاقة بين تاريخ الأفراد وهوياتهم. لو الود ودي لواصلتُ المقارنة، ولكن ذلك سيشطح بي بعيدًا عما بدأت الخربوشة به. ما يهمني هنا هو قدرة رواية كيف تصبح فاحش الثراء في آسيا الصاعدة على تمثيل الواقع وإعادة ترتيبه -سرديًا وزمنيًا وثيماتيًا- بما يخلخل ألفة القارئ عنه.
تستفتح الرواية بمخاطبة القارئ. حرفيًا. أول جملتين هما: “شوف، ما لم تكن في معرض كتابة أحدها، فإن كتاب تطوير الذات [self-help] تنافض لفظي. فأنت تقرأ كتاب تطوير الذات بحيث يمكن لشخصٍ -ليس أنت- مساعدتك، وهذا الشخص هو كاتب الكتاب”. ومن هذه الافتتاحية وتقديم الرواية لنفسها على أنها كتيب إرشادي يزود قارئه بإرشادات الثراء الفاحش، نتتبع قصة بطلها غير المسمى من بداية حياته في قرية ريفية فقيرة مرورًا بهجرته للمدينة وصيره أحد أغنيائها. وليس هو وحده من يمر بهذه التجربة، بل توازيه الفتاة الجميلة وعشيقة طفولته، التي تهجر قريتها بحثًا عن الشهرة في عالم المودلنغ والإعلام. أقول توازيه لأنها لا تمثل جزءًا من حياة البطل في أغلب أجزاء الرواية. ولا أريد الوقوع في كليشيهات بايخة، ولكن الرواية تعرج بطبيعة الحال على نظم التعليم وقيم الأسرة “التقليدية” قبال المتغيرات الحاصلة في مدينة متسارعة التغيرات، وحضور الشخصيات وغيابها متكامل مع الأدوار التي تلعبها في بناء تداخل العوالم والتغيرات.
كان بإمكان محسن حامد تسمية شخصياته، أو مثلًا اختيار تقنية السارد العليم من منظور الشخص الثالث، أو موقعة أحداث الرواية في مدن ومناطق لها أسماؤها. لكنه سلك طريقًا آخر. شخصياته غير المسماة تجعل القارئ يجرّدها بالحد الذي يُمكّن رؤيتَها ضمن نظم انتماءاتها. بعبارة أخرى، لا يصبح للشخصية تفردٌ بالمعنى الليبرالي؛ ليست تمتلك ذاتًا سابقة على الوجود الاجتماعي، بل إنها ترد بصفتها نقطة التقاء لسياقات يتداخل فيها الذاتي والبين-ذاتيّ.
وثمة فكرة مشابهة في اختيار محسن حامد لمنظور الشخص الثاني وأسلوب كتب تطوير الذات. أولًا، كلاهما يجعلان القارئ منذ الصفحات الأولى جزءًا من حبكة الرواية وسيرورتها. وثانيًا، من شأن استخدام ضمائر الخطاب إضفاء لمحة حوارية إن صح التعبير، وذلك من باب اضطرار القارئ للرد على ادعاءات السارد وقناعاته.
أما تجريد أحداث الرواية من جغرافيتها ففيه دعوة للقارئ لئلا ينطلق من أحكامه المسبقة وقناعاته الراسخة حول الثقافات ووظائفها، مستعيضًا بقراءة الأحداث على ضوء انقسامات كبرى بين الرابحين من تغلغل رأس المال العالمي والخاسرين من عواقبه. والحقيقة أن وضوح الثيمة في عنوان الرواية (أي تناولها للشق الاقتصادي-السياسي في حياة الأفراد اليومية) لا يقلل وطأة الإدراكات المتلاحقة حول انتصار الرأسمالية المتمثل في إعادة تعريف كل القيم وفقًا للربح والتبادل. ذلك أننا من البداية نجعل نصب أعيننا هدف الثراء الفاحش -كما بطل الرواية-، دون اعتبار لأخلاقيات اكتساب المال أو وظائفه الاجتماعية أو تدمير الموارد. ومن هنا تنبع ضرورة إبقاء أذهاننا نبهة للعبة السرد في الرواية لئلا ننزلق لوقائع (جمع واقع) غير معاينة.
وهنا أيضًا أعود لدور الأدب التحويلي ومساءلته الواقع. توظيف محسن حامد لأسلوب المخاطبة وكتب تطوير الذات وقولبته حبكات الرواية في عالمٍ ما-بعد-استعماري، بكل ما ينطوي عليه هذا العالم من هيمنة قيم رأس المال والعولمة على أبعاد الحياة اليومية، يعني وضعه منطق المنظومة برمته موضع نقد. ذلك أننا ندرك من صفحات الرواية الأولى كيف يصور الغنى أو الفقر في حياتنا كما لو أنهما مسؤولية فردية بحتة يكفي معهما العمل بجد واجتهاد. وهذا ما تشتغل عليه تقنيات السرد في الرواية: تمثيل الواقع عبر إعادة تشكيله بما يقوض ألفته. ومن يدري، لعل هنالك قارئًا تجعله الرواية يسائل قناعاته حول أرقام الناتج المحلي الإجمالي ونسب البطالة وقطاعات التصنيع وغيرها من المعايير، وأن يراها ضمن ارتباطها بآلية عمل منظومة متكاملة لا تعيد صياغة معنى الثراء والنجاح وحسب، بل الذات والحب أيضًا (سأختم بهذه الجملة الشات جبتية لعلها تستفز البعض).




