"عش بالفوما* التي تجعلك شجاعًا ولطيفًا ومعافى وسعيدًا"
*الأكذوبات غير الضارة
- كيرت ڤونيغت، مهد القطة (١٩٦٣)
تنويه: تحتوي هذه الخربوشة على حرق لفيلم القرية (٢٠٠٤)
تنويه #٢: كتبت الخربوشة لأول مرة بالإنجليزية، ولعلي تكاسلت قليلًا عن صياغة بعض الأفكار هنا
حين شاهدت فيلم القرية للمخرج م. نايت شيالامان أول مرة، بلغ انجذابي لعالمه واندهاشي بالتواء حبكته حدًا منعني من التركيز على ثيماته الرئيسية الأخرى. وما يزال للالتواء حظوته: يتضح أن المستوطنة التي نعتقد أنها تنتمي للقرن التاسع عشر ليست إلا مجتمعًا معزولًا معاصرًا من القرن الحادي والعشرين، وأنها تأسست على يد ثلة قررت هجرة المدن الفاسدة سعيًا وراء حياة طاهرة ونقية.
ولئلا تعتقدوا أن هذا الالتواء وحده كفيل بتطيير عقلي، ينبغي عليّ الإشارة إلى ما استرعى اهتمامي أكثر، وهي الكيفية التي حافظ بها شيوخ القرية (أعني الـelders. لا يروح بالكم لأي معممين) على السلم الاجتماعي من خلال ترسيخ خرافة "أولئك الذين لا نتكلم عنهم" وإدارة آثارها. مفاد الخرافة أن هنالك مخلوقات متوحشة تجوب الغابات المحيطة بالقرية وتتصيد الزلة على أهاليها، بحيث يصبح السلم الاجتماعي وسلامة القرية ككل مرهونان باستجلاب رضا المخلوقات واحترام حدودها. وتظل الخرافة أغلب الفيلم ناجعة، حتى تتعرض لتهديد لم يكن في الحسبان.
بس كنت أتوقع ذلك نوعًا ما. يعني، لست محنكًا سينمائيًا، ولا أبني قرارات مشاهدة الأفلام بناء على وجود ممثلين أو ممثلات يعجبوني. ما يحدث عادة هو أني أجدني مهتمًا بثيمات أو ببيئات معينة تحدّ بدورها نطاق الخيارات المتاحة لي. مرة أريد مشاهدة فيلم رعب في سفينة بالفضاء الخارجي، ومرة أريد فيلم أكشن عن ثورة الروبوتات في المستقبل القريب، ومرة أريد فيلمًا مستلهمًا من روايةكي أتحلطم على تأويله لثيماتها. بل ربما أشاهد مرة فيلم مثقفين سوڤييتي لا أعرفه إلا أنا وأربعة أشخاص، على الأقل كما يقول أحد خصوم تويتر. عمومًا، ما أطول عليكم، اخترت فيلم القرية لأني أردت مشاهدة فيلم يتضمن ثيمة المجتمع الاستبدادي المعزول بشكلٍ من الأشكال.
سيتنبه مُشاهدُ الفيلم غالبًا للتوازن ما بين الماضي (الذاكرة) والحاضر (الأمل)، لا سيما حين يركز على العلاقة بينهما في صياغة سلوكيات أهلها. ولكن هذا التوازن -على أهميته- يكتسب بعدًا إضافيًا حين نأخذ بعين الاعتبار أن معالجة الفيلم للخرافة بصفتها حائطًا وسقالة يُمكّن المشاهد من ملاحظة تفاصيل قد لا تكون بالضرورة بارزة للوهلة الأولى. ذلك أن التهديد الذي اختلقه شيوخ القرية ليس مجرد فزاعة تُبقي الأهالي داخل حدودها، بل هو في الوقت نفسه أداة بناء عالم تصوغ حياتهم اليومية. بعبارة أخرى، لا يؤمن أهل القرية بالخرافة وحسب، بل يعيشوها ويغذوها ويتوارثوها كذلك.
حبكة فيلم القرية
قبل تفسير ما أعنيه بذلك، دعوني أعرج سريعًا على حبكة الفيلم. هنالك بطلان رئيسان للفيلم: لوشيوس هنت (الذي يقوم بدوره خواكين فينكس)، وهو شاب هادئ وشجاع، وآيڤي ووكر (التي تقوم بدورها برايس دالاس هاوردز)، وهي شابة عمياء فطينة. في بداية الفيلم، يعتزم لوشيوس عبور الغابة من أجل الحصول على مستلزمات طبية ضرورية من المدن المجاورة، ولذا يناشد شيوخ القرية راغبًا في الحصول على الإذن بالعبور.
طبعًا يقتضي قانون القرية بألا يتعدى أهلها الحدود لئلا يحل عليهم غضب المخلوقات التي تجوب الغابة. لكن بالنسبة للوشيوس، ستكون صدق نواياه واضحة للمخلوقات بما فيه الكفاية كي يسمحوا له بالمرور. ويستدل على ذلك باكتشافه العابر على تمكّن نوح بيرسي (الذي يقوم بدوره أدريان برودي) ذو الاحتياجات العقلية الخاصة من دخول الغابة والعودة منها بسلام أكثر من مرة.
يرفض الشيوخ طلب لوشيوس دون تردد. مع ذلك لا يستسلم. يجرب مرةً عبور الغابة متجهًا لثمرة حمراء اللون (وهو لونٌ "سيء" عند أهل القرية، نظرًا لارتباطه بالدم وبلباس المخلوقات)، ولكن لسوء حظه يلمحه أحد تلك المخلوقات. وبعدها تشن المخلوقات بضع غارات على القرية، انتقامًا كما يبدو من رعونة لوشيوس بتعدي الحدود المفترضة.
يادا يادا يادا، يتلقى لوشيوس بضع طعنات من نوح بيرسي، وذلك بسبب شعور نوح بالغيرة من علاقة لوشيوس بآيڤي. يُحبَس نوح، ويجد الشيوخ نفسهم في معضلة عويصة: إما أن يُجلب الدواء من الخارج، أو يموت لوشيوس. لم تجد آيڤي بدًا من مطالبة والدها (أحد الشيوخ) بمنحها إذن المغامرة وعبور الغابة لجلب الدواء، مسترشدةً بحدة حواسها وشدة إيمانها بحب لوشيوس. وبعد نقاش قصير، يوافق والدها على مضض دون استشارة بقية الشيوخ. ومع هذه اللحظة تبدأ خاتمة الفيلم متسارعة الخطى: في أثناء مغامرة آيڤي، يلاحقها أحد المخلوقات ويهاجمها، ولا يكف عن ذلك إلا حين تمكنت من إسقاطه في حفرة يلقى حتفه فيها. وقد كانت مواجهته مفاجأة بالنسبة لها، تعرفون ليش؟ لأن والدها كشف لها السر قبل أن تبدأ مغامرتها: ليست الوحوش إلا خرافة اختلقها شيوخ القرية كي يبقوا الأهالي داخل حدودها.
ونكتشف نحن أن الشيوخ مجموعة قررت التقهقر من الحياة "الحديثة" وعيش أسلوب حياة قديمة داخل محمية للحيوانات البرية. لم تدرك آيڤي المسكينة كل أبعاد الخدعة، إذ انكشف الجزء الأغلب منها في محادثات الشيوخ أثناء مغامرة آيڤي، ولذا تظل المسكينة على جهلها بماهية العالم الخارجي حتى حين تمكنت من الحصول على المستلزمات الطبية اللازمة من أحد الحراس والعودة للقرية شبه سالمة (تذكروا أنها عمياء، ولذا لم تتمكن من رؤية زي الحارس وسيارته وراداره). ومع عودتها، يدرك الشيوخ أن المخلوق الذي لاقته آيڤي في الغابة ليس إلا نوح بيرسي نفسه، والذي تمكن من الهروب من حبسه ومطاردتها. وقد كانت مصادفتها له حبل نجاة للشيوخ، إذ بواسطته تمكنوا من الحفاظ على الخدعة وتكريس الخوف من الغابة شرطًا ضروريًا لاستمرار نمط حياتهم. وينتهي الفيلم بالقرية تواصل حياتها المنعزلة.
حدود ليست حقيقية تمامًا
إذن، ندرك منذ بداية الفيلم أن الخوف هو ما يشكّل حياة القرية: الغابة محظورة، واللون الأحمر "السيء" ممنوع، وأبراج المراقبة محيطة بالمكان، والمأدبات مقامة في سبيل استرضاء المخلوقات، وخطط الإخلاء (أو الاختباء بالأحرى) وسيلة لجعل السكان على أهبتهم كبارًا وصغارًا.
مع ذلك، نكتشف مع سير الفيلم أن الخطر المحدق ليس إلا تمثيلية محضة: يلبس أحد الشيوخ الزي الأحمر، ويجوب الغابة بين الحين والآخر لإثبات وجود المخلوقات (حين يراهم أحد حراس المراقبة مثلًا)، وهو الأمر الذي يبقي الخرافة طازجة على الدوام. ونرى ذلك جليًا في مغامرة لوشيوس باقتحام الغابة سعيًا وراء الثمرة الحمراء: يراه أحد المخلوقات المزعومة (أي أحد الشيوخ المتجولين)، وبناء على ذلك تقرر المخلوقات تحذير القرية من خلال شن غارات عقابية.
هاهنا عبقرية خدعة الشيوخ: على الرغم من زيف الخطر، إلا أن عواقبه حقيقية أكثر من اللازم. لا يهدف الخطر لإبقاء أهالي القرية داخلها وحسب، بل لبناء أسلوب حياة متكامل كذلك. يكبر الأطفال وهم يلعبون ألعابهم المتمحورة حول اختطافهم من قبل المخلوقات. وبالإضافة لذلك، نجد الزواجات والملابس وتربية المواشي وغيرها من الأنشطة تفترض وجود المخلوقات وتنتهج ما من شأنه استرضاؤها. بعبارة أخرى، يعيش أهل القرية حياتهم كما لو أن المخلوقات موجودة فعلًا. قد يسأل سائل منكم: وش هالغباء اللي يخلي الواحد يعيش بدون ما يسائل معتقداته؟ سؤال جيد. الجواب المختصر هو أننا كلنا نمتلك أكذوباتنا الخاصة التي نعيش بها، والتي لا نسائلها لأننا لا نرى بالضرورة حاجة ذلك. إيه، كلنا. لا تستعجلون إغلاق الخربوشة، سأفصل ذلك في السطور القادمة، والله.
فلسفة الخيالات الضرورية
سأبدأ تفصيل الزعم أعلاه بأحد اقتباساتي المفضلة من كتاب اللڤاياثان لتوماس هوبز:
"الصواب والخطأ من سمات الكلام، لا الأشياء. وحيث لا كلام، ليس ثمة صواب أو خطأ"
من وجهة نظر مادية هوبز، تكون الأشياء إما موجودة أو غير موجودة. ما فيها واحد اثنين: إما أن يوجد الشيء أو لا يوجد. صواب الشيء وخطؤه في هذا السياق لا معنى له عند هوبز. متى تدخل سالفة الصواب والخطأ؟ فقط حين يتعلق الأمر بعبارة إيضاحية أو توكيدية حول الشيء. فلنأخذ مثالًا سريعًا، عن شجرة. سأعيد نفس الكلام: إما أن تكون الشجرة موجودة أو غير موجودة، وهذا الوجود (أو عدمه) خاصية مادية مرتبطة بالحواس. ولكن في الوقت نفسه، في حال ثبوت وجود الشجرة المحسوس، فإن كل مقولة حولها ستدخلنا في عالم الكلام القابل للتصويب أو التخطئة وفقًا لمطابقة (أو مخالفة) الواقع. هذا يشمل المقولات من قبيل "الشجرة خضراء" أو "الشجرة طويلة" أو "الشجرة ميتة"؛ كلها مقولات قائمة على قضية يمكن تصويبها أو تخطئتها من خلال الإحالة لواقع مادي. إذن، يستوجب استخدام اللغة بالضرورة التنقل بين عالمين: العالم المادي والعالم الرمزي. وتتفاوت نظم الاعتقاد والأفعال بناء على كيفية تمازج هذين العالمين.
لكن هذا ليس موضوعنا المباشر، فبأخليه لوقت لاحق. الأهم بالنسبة لي هو تناول إحدى محاولات استكشاف العلاقة بين العالمين المادي والرمزي، وهي كتاب هانس ڤايهينغر فلسفة كما لو أن (١٩١١). خلنا من شطحاته هنا وهناك، لا سيما ما يتعلق منها بالرياضيات ومفهوم اللانهائية، وخلنا نركز على أطروحته المثيرة للاهتمام: ننحو جميعًا للتصرف أحيانًأ كما لو أن بعض افتراضاتنا صحيحة فقط لأنها تثمر عن نتائج مرغوبة. بعبارة أخرى، لا تكمن قيمة معتقداتنا في ذاتها بقدر ما هي كامنة في النتائج المتأتاة منها. ليس مطلوبًا من أي أنموذج أو معتقد أن يكون صحيحًا (بالمعنى الحرفي) كي يكون مثمرًا: المهم أن يجي منه. ليس هنالك “لانهائية”، ولكن افتراض وجودها يعطي نتائج رياضية وفيزيائية ملموسة. وينطبق ذلك على الأرقام الخيالية، ومفهوم الذرة والجزيئات في زمن من الأزمنة (من المهم التذكير بنشر كتابه أول مرة عام ١٩١١).
عمومًا. ربما تنبهتم لنبرة ڤايهينغر الموغلة في العلمية، وأغلب أمثلته في الكتاب أصلًا جاية منها، ولكن لا ينبغي أن يمنعنا ذلك من إدراك قابلية سحب أطروحته على النقاشات الفلسفية أيضًا. من هذا المنحى، صدق أي مقدمة فلسفية قيمة ثانوية إذا ما كانت تؤتي غرضًا مرجوًا منها. حقيقية الشيء مرهونة بنتائجه.
يا حسينزم، خلك من الكلام المجرد وعطنا شيء مفهوم. فلنأخذ مجددًا أمثلة سريعة. تحبون الأخلاق، صح؟ في الحقيقة، قد ينحو الناس للتصرف كما لو أن العدالة ناموس كوني موضوعي ومطلق، وهذا ما يجعلهم يبنون السياسة العامة على ضوء العدالة ومفاهيمها. لكن هل يمكن إثبات “وجود” العدالة (تذكروا مفهوم هوبز المادي هنا)؟ وفي الدين مثلًا، قد يتصرف الإنسان كما لو أن الله موجود (حتى لو لم يؤمن بوجوده) فقط لأن الإيمان يثمر عن التلاحم الاجتماعي أو الأخلاقي أو ما أشبه. وفي الجيولوجيا مثلًا، قد تجدون العلماء يرددون مذهب الوتيرة الواحدة (ما أعرف وش الترجمة الحقيقية لـuniformitarianism) على الطالعة والنازلة، برغم كل الأدلة التي قد ترجح كفة المذاهب الكوارثية في الظواهر المتناولة. في كل واحدة من هذه الأمثلة، لا ينبني صدق المقولة الأساسية بالضرورة على “صحة” مقدماتها بقدر ما هو مرهون بوظيفة المقولة أو نتيجتها (كالتماسك الاجتماعي أو السلم الأخلاقي أو الداخلي أو التنبؤية).
باختصار، قد تمتلك المفاهيم الخيالية عواقب حقيقية لأنها تمتلك قابلية تشكيل أو صياغة سلوكياتنا، ولأن سلوكياتنا قادرة على تشكيل أو صياغة الحياة الواقعية. بعبارة أخرى، حتى لو لم يكن الشيء حقيقيًا، فهو قادر على حثنا على التصرف واتخاذ أفعال تؤدي لما هو حقيقي وملموس. ولا يقتصر هذا على المستوى الفردي وحسب، بل الجمعي أيضًا: يمكن لنمط حياة مجتمع برمته أن ينبني على مفهوم خيالي مشترك.
كل ما هو جديد سيء، وكل ما هو قديم محمود
خلينا نرجع الحين لفيلم القرية ومجتمعه. من الواضح أن المخلوقات محض أكذوبات ڤايهينغرية، أي أنها مخيالات مسلم بصحتها في سبيل بناء حياة جمعية. كثير من تفاصيل الحياة اليومية لأهالي القرية، من الزراعة لعادات الزواج، لا معنى لها إلا ضمن إطار هذه الخرافة؛ تتهاوى بنية الحياة الاجتماعية وقتما حذفنا المخلوقات من المعادلة. وفي الحقيقة، ليست الحياة وحدها ما يتهاوى، بل هوية المجتمع ككل.
دعوني أعيد صياغة ذلك. يدرك شيوخ القرية أن الخرافة أكثر من سور، إذ هي أيضًا علة التماسك الاجتماعي التي لا يقوم المجتمع بدونها. فحتى لو أدرك الأهالي زيف المخلوقات وكل ما انبنى عليها، من غير المعقول افتراض تحررهم وقدرتهم على الانخراط في حياة "طبيعية" إن صح التعبير، إذ أنهم سيكونون بحاجة ماسة لإطار جديد يُمكّنهم من فهم الحياة. اختفاء المخلوقات سيجعلهم يعيدون التفكير في معنى حياتهم الفردية والاجتماعية وماضيهم ومستقبلهم.
ثمة معنى ضمني هنا: لا تُستحدث الخرافة من العدم. ففي الفيلم مثلًا، نكتشف انبناء الخرافة على النقيض من الحياة "الحديثة"، وهي تسمية عامة لما اعتقد شيوخ القرية أنه فساد وخطر على التلاحم الاجتماعي. بهذا المعنى، يمكن أن نقول أن فيلم القرية مرآة للمذهب الصفوي (Puritanism) البروتستانتي أو للتصورات اللاحقة عنه بالأحرى، من حيث كون المذهب مشروعًا أخلاقيًا يرمي لعيش حياة طهرانية عبر التركيز على أمور شبيهة بما شاهدناه في الفيلم، كالطقوس العامة والحدود الأخلاقية وثنائية الداخل (نحن) والخارج (هم). وشو قصدك يا حسينزم؟ هل تلمح إلى الصراعات الطائفية التي تختزل الحياة في فريقي الحق والباطل؟ ما قصدت شيء والله.
على أية حال، لخيالية المخلوقات في الفيلم وظيفة عامة ومحددة في الوقت نفسه: المحافظة على نمط حياة القرية. من السهل على أي منكم قول أن هذه الوظيفة تخدم مصالح الشيوخ أولًا وأخيرًا، وهذا صحيح تمامًا. لكن القول لا يغير من حقيقة نجاح المجتمع من وجهة نظر الشيوخ، وحقيقة نجاح الخرافة بصفتها أساس النسيج الاجتماعي كذلك. حتى في نهاية الفيلم. يستخدم الشيوخ موت بيرسي المتنكر بلباس المخلوقات ليكرسوا وجودها وإعادة إنتاج نمط الحياة الذي يرغبون به.
طيب، وش تبغى من كل هالثرثرة يا حسينزم؟ الحقيقة أني نفسي لا أعرف. كتبت السطور السابقة من باب التفكير بصوت عالٍ لا غير. ولكن، خلني أسوي نفسي أختم الخربوشة: من المهم إدراك أن مفهوم الشيوخ للحياة "الفاسدة" لا يعني نهائيًا العودة لنمط حياة سابق بقدر ما هو إسقاط أو قلب للحاضر. بعبارة أخرى، الحياة الطاهرة التي يسعى الشيوخ وراءها مبنية على ما يعتقدون بأنه "فساد" في الحياة الحديثة، مما يعني أن نمط الحياة الذي ينتهجونه يتخذ من الحداثة المزعومة نقطة انطلاقه. مدري عنكم، ولكن بالنسبة لي، يبدو أن خرافة المخلوقات تغذي -بالإضافة لهوية أهالي القرية الحاضرة- تاريخهم الأسطوري كذلك.