كيف يسهم تقليل ساعات عمل المرأة في الحفاظ على الأمة؟
وآيديولوجيات مبطنة أخرى
مضطرٌ لافتتاح الخربوشة بالتنويه التالي: لن أناقش سؤال العنوان بشكلٍ حقيقي، ولن أطرح مختلف التبريرات حول الرأسمالية المتوحشة التي أجبرت المرأة على الخروج من بيتها للانخراط في عجلة الإنتاج، ولن أقدم الحلول التوفيقية بين عمل المرأة وحفاظها على بيت الزوجية. السواد الأغلب من هذه النقاشات قابل للاختصار في جملة وحيدة: “لا رحم، لا رأي”. وبحكم افتقاري للرحم لما تحققت من جسدي آخر مرة، فلن أضع نفسي موضع كنسلة ونبش تغريدات وصور ومقاطع قديمة. أو حاولوا على الأقل اختيار لقطات حلوة.
ما أريد قوله هنا متوائم مع عنوان الخربوشة الفرعي: الآيديولوجيا المبطنة في الربط ما بين “المرأة” ومعدلات الإحلال السكاني. إن كنتم نشطين على تويتر في الأيام السابقة، فالأرجح أنكم وقعتم على تغريدة (أو تغريدات) تتناول عدد ساعات عمل المرأة ودور ذلك في اضمحلال الأمة. وأظن أهل تويتر ما قصروا في تفنيد أغلب أسس التغريدة، سواء من حيث ربط الفكرة بامتيازات الذكورية، أو تحليل المصالح الاقتصادية وراء موقف قائلها، أو تبيان بقايا تيارات بالية تقف -كما اعتادت- في وجه مكتسبات رؤية ٢٠٣٠ حتى اليوم. وكلها زوايا وجيهة طبعًا، وسأتطرق لبعضها فيما يلي. لكن أعتقد أن هنالك زاوية لم تُطرق بشكل كاف، ألا وهي التلازم الآيديولوجي ما بين الخطابين القومي والذكوري. ما إن قرأت التغريدة المعنية، استحضر الثرثار الذي بداخلي العديد من الأفكار والاستطرادات حول توظيف مفردتي “المرأة” و “الأمة” وأبعادهما التاريخية.
كنت سأستفتح الخربوشة بقول أن التلازم الآيديولوجي قائم على أساس الفصل الجندري للفضاءات السياسية والأخلاقية، بحيث يصبح الحيز السياسي وتشييد الدولة ومؤسساتها العقلانية مناطًا بالرجل، في حين يصبح الحفاظ على الأمة (سواء من ناحية إنجابية أو أخلاقية) وتنشئة الأجيال وتغذية المشاعر مناطًا بالمرأة. ففي ظل هذا الطرح، تنقسم الأدوار على طول مفهومين مجردين (وطبيعيين) للرجل والمرأة، أي أن وظائف كل منهما في خدمة الدولة والأمة امتداد لمكنون بيولوجي ما. وكنت سأضيف أن وطأة الأمر تزداد حين نأخذ بعين الاعتبار التبعات القانونية لهذا الفصل، لا سيما باعتبار المرأة مسؤولةً عن حدود المواطنة عبر تقنين علاقاتها الزوجية والجنسية وتشريع ما من شأنه الحد من تحركها في الفضاء العام بصفتها مواطنًا كامل الأهلية. ولكن تراجعت عن البدء بذلك لئلا أبدو بكميًا.
ما اخترت البدء به هو اقتباس من كتاب قاسم أمين تحرير المرأة، والمنشور عام ١٨٩٩م:
هناك ثلاثة أسباب رئيسية لاختياري هذا الاقتباس. أولًا، تضمنه الربط المفاهيمي بين المرأة والأمة والعائلة. ثانيًا، استخدام مفردة “جسم” لتوصيف الأمة، بكل ما تحتمله المفردة من تصور طبيعاني لنشوئها. وثالثًا، صدوره من أحد أبرز القوميين المصريين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، ولو من منظورٍ خاضع للأطر الاستعمارية الحداثية.
ما يعنيني هنا هما السببان الأوليان، وسأبدأ بالثاني لأنه أوسع نطاقًا. في المخيال الشعبوي، تحضر الأمة بتصور مزدوج. فهي من جانبٍ أول حتمية تاريخية وامتداد طبيعي لجوهرٍ متسامٍ عن الزمان والمكان، وهي من جانبٍ ثانٍ وَحْدة التحليل التاريخي الأساسية. كل تاريخٍ هو بشكلٍ ما تاريخ الأمة، تاريخ نشوئها واضمحلالها وتحقق جوهرها. صداق ذلك نشأة علم التاريخ إلى جوار الدولة-الأمة، إذ نمت الحاجة لقولبة الماضي وتشييد الأرشيفات على طول سرديةٍ قومية.
وحتى الثقافة برمتها تُصاغ على طول الحدود القومية، كالحديث عن أدب فرنسي أو فلسفة ألمانية أو علم نفس إسلامي. ذلك أن تصور الأمة يمازج ما بين عناصر تاريخية-ثقافية تجعل “الأمة” تبدو كما لو أنها ظاهرة طبيعية فعلًا، سواء كمنت في سكنى أرض موعودةٍ أو تاريخ وأساطير مشتركة أو ثقافة عامة أو نوعًا من التعاضد الاجتماعي-الاقتصادي المتبادل.
ونتيجةً لهاته التصورات، يصبح التاريخ برمته محض انكشافٍ للأمم، وتقولب الثقافات ضمن أوعيةٍ قومية، ويصبح كل تحليل سياسي أم تاريخي أم اجتماعي أم اقتصادي متمحورًا حول الأمة أولًا وأخيرًا.
قد لا يكون الأمر واضحًا بما فيه الكفاية نظريًا، ولذا سآخذ من وقت المهتمين منكم دقائق إضافية. يتحقق المخيال الشعبوي أعلاه عبر عملية انقلاب ذهنية يمكن تسميتها بعقبنة المتزامنات (نعم، هذا مصطلح من كيسي بعض الشيء). ما إن يتبوأ مفهوم “الأمة” مكانته بصفته القدر المحتوم لحركة التاريخ والحداثة، يُعاد تعريف جغرافيا العالم على طول خط زمني. بعبارة أخرى، تنقسم شعوب العالم المعاصرة لبعضها البعض إلى شعوب حديثة وشعوب متخلفة، وعلى إثر ذلك تُعاد صياغة تنوع التاريخ ولاتجانسيته إلى محض تفسيرات وإرهاصات لنشوء الأمة ومواقع الأمم على الخط التاريخي. بعبارة أخرى ثانية، تتحول التواريخ المتعددة إلى تجلّ متعيّنٍ لما هو كوني. وإمكانية هذه العملية بحد ذاتها، كما يفصّلها كريستوفر هيل، قائمة على انقلاب إبستيمي؛ الظروف المتزامنة تخلق وعيًا وقيمًا، ثم يتحول الوعي والقيم لمفاهيم تجعلنا نقرأ التاريخ كما لو كان سردية ظهور المفاهيم نفسها. وهذا الانقلاب هو ما يُطبّعها ويرسخها في أذهاننا كما لو كانت مصطلحات بديهية/قَبْلية.
ولكن ما إن نتجاوز المخيال الشعبوي باتجاه التحليلين المادي والفكري التاريخيين حتى ندرك مدى استجداد ظاهرة القومية بكل ما تنطوي عليه من تصورات للأمة والدولة والحتمية وشكل النظام العالمي. الاقتباس أعلاه مأخوذ من كتاب نشر عام ١٨٩٩، في أوج الفكر القومي المصاحب لنشأة الدولة الحديثة. تكفينا نظرة سريعة على أعلام الفكر القومي في تلك الحقبة، من قبيل مازيني (إيطاليا) وميشليه (فرنسا) وإمينسكو (رومانيا) وريزال (الفلبين) ومصطفى كامل (مصر) ونامق كمال (تركيا) وهرتزل (البالوعة) وبانكيم شاترجي (الهند) ويوكيتشي (اليابان) ، لنتقبل ولو قليلًا محوريتها في صياغة تصوراتنا اللاحقة عن الأمة عمومًا. ولذا ليس قاسم أمين وحده في هذا الدرب. المهم هنا أنه من أبرز الذين كتبوا بشكل صريح حول الأمة والمرأة ضمن الإطار المفاهيمي القومي (الإسلاموي تحديدًا).
إذن، عرفنا الآن أن الأمة في المخيال الشعبوي مقولةٌ طبيعية وأن قاسم أمين منخرط في جدال يمتد لما وراء حدود مجتمعه، وبعدين؟ الجواب القصير هو تبلور خطاب قومي إسلاموي (منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا) يتبنى الأسس الليبرالية مغلفة بمصطلحات “إسلامية”. من الصعب للأسف تقصي تبعات هذا الزعم دون استطراد أطول من حياتي، ولذا سأكتفي بتناول الفكرة ذات الصلة. خلافًا لما يريد أرباب التنوير والفلسفة تصديقه، لا توجد الأفكار مجردة ولا تنتقل في الفراغ، بل تولد وتتبلور في سياقات تاريخية محددة وتسافر عبر بنى السلطة القائمة. في عالم قاسم أمين، حيث الاستعمار البريطاني وخطابات التنوير والاستشراق والتنصير، تتغلغل أسس الليبرالية -بصفتها منظومة شمولية- في كل جوانب الحياة. ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أن الليبرالية ليست مقتصرة على تصور للإنسان بصفته كائنًا سياسيًا يفضل النظام الديموقراطي التمثيلي وما أشبه، بل تشمل أبعاد حياته المادية والاجتماعية والروحانية والجسدية كذلك. يكفي كونك حليق اللحية مثلًا لأن تصبح ليبراليًا أو تسمى كذلك (غمزة غمزة). ومن شأن هذا التغلغل أن يُولّد نقيضًا شموليًا هو الآخر، دون أن يعني ذلك استقلاله عنه مفاهيميًا. يتجلى ذلك في كيفية تقرير الخطاب الليبرالي مصطلحات النقاش وحدوده وأطره، واستجابة نقيضه لذلك عبر تبني المصطلحات والحدود والأطر من وجهة نظر مغايرة (شكليًا). هل تستطيعون تخمين واحد من الموضوعات التي دار حولها النقاش؟ أتوقع جاوبتم بشكل صحيح: سؤال المرأة.
سواء تعلق الأمر بدور النسوية الليبرالية الغربية في تشكيل تصور المرأة المسلمة (التي تحتاج للإنقاذ طبعًا) أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، أو بدورها في تشييء صورة المرأة في العالم الثالث والمستعمرات عمومًا، الفكرة الرئيسية هنا أن الحقبة نفسها شهدت انفجار الخطابات التي تموقع المرأة (بتصور تجريدي) في الطرح القومي. كون أغلب الخطابات جاءت من الرجال ليس مستغربًا. فكما تشير آن مكلنتوك، هذا التلازم بين الأمة والمرأة أحد مفارقات السرديات القومية عمومًا. ذلك أننا نتحدث على الدوام عن “الوطن الأم”، ونتحدث عن “شرف” الأمة وطهرها وما إلى ذلك. وفضلًا عن تأنيث هذه المفاهيم، تحضر المرأة بصفتها وسيلة التكاثر البيولوجي للأمة ككل، بصفتها وسيلة رسم الحدود ما بين جماعة وأخرى. حين يقول قاسم أمين أن المرأة ميزان العائلة والمسؤولة عن تنشئتهم، فمن السهل ملاحظة النتيجة المنطقية لهذا الطرح، لا سيما حين تُبنى على القومية الإسلاموية وتُقحم في خطابات تعيد تعريف “المرأة” جوهريًا قياسًا على ظروف تاريخية معينة. هنالك تقاطعيةٍ فريدة من نوعها هنا، إذ القومية المعنية مرتبطة بمنظومة تحمل بذور أخلاق ترسم حدود الإيمان والكفر كذلك.
ولذا كلما حضرت المرأة بمفهومٍ مجرد في نفس الإطار التحليلي الذي تحضر فيه الأمة، ينبغي ألا نتجاهل الآيديولوجيا المبطنة التي يقوم عليها الإطار برمته. ليست كل القوميات سواسية، ولا تتبنى كلها نفس الأسس بذات المقدار. لكن في كل الأحوال، الربط بينهما علامة الفصل بين الفضاءات السياسية والأخلاقية وتبنٍّ لمنظومة ذكوريةٍ تنعى مصائب الأمة وتنسبها لـ “نسائها”.
كنت أمزح، بما أن التغريدة الأساسية تحدثت عن تقليل ساعات عمل المرأة فلا بد من التعريج على الرأسمالية المتوحشة -ولو جزئيًا- في ختام الخربوشة، على الأقل من حيث الامتياز الذكوري في المنظومة. طالما نتحدث عن المرأة وإعادة الإنتاج القومي، أي عن التكاثر البيولوجي ونقل الثقافة والأخلاق وتنشئة الأجيال وما إلى ذلك، يمكننا سحب النقاش ليشمل انقسام العمل تحت المنظومة الرأسمالية لعمل إنتاجي وعمل غير إنتاجي. فامتدادًا للفصل الجندري ما بين الفضاءين السياسي والأخلاقي، يصبح العمل الإنتاجي حكرًا على العمال وأصحاب العمل (أي منظومة العمل المأجور) مستثنيًا كل ما يعززه ويغذيه من بنية تحتية اجتماعية قائمة على التربية والعناية والتعليم وما حولها. ويزيد الطين بلة حين يصاحب هذا الانقسام الإنتاجي تقسيم مكاني (العمل داخل المنزل أو خارج المنزل)، إذ يصبح من السهل اختزال العمل الإنتاجي في أماكن دون غيرها. ولذلك لا غرو أن يطالب صاحب الامتياز بتقليل ساعات العمل (ويعني بذلك العمل المأجور الإنتاجي خارج المنزل) لأجل أن تلعب المرأة دورها الأسري/القومي (ويعني بذلك العمل غير المأجور وغير الإنتاجي داخل المنزل). تعرفون ما أهمية هذه الخاتمة عندي؟ أنها تبرهن كيف يتحول الظرف (استثناء النساء من العمل) إلى مقولةٍ بديهية بيولوجية، وتتحول المقولة بدورها لامتداد مفهوم مجرد لـ “المرأة”، فضلًا عن كونه أحد إفرازات الآيدولوجيا التي تلازم ما بين الخطابين القومي والذكوري، وإن من منظوري استعماري-رأسمالي.




اهلا حسين
قراءة جميلة لها اعتباراتها الصحيحة من الزاوية التي تناولت بها ( التاريخية) لكن في ظني لا يمكن أن تختزل قراءةالظواهر في زاوية واحدة دون نظر لزوايا أخرى. ولعل الوقت يسعفني لأعود لها بزاوية أخرى.