الصوت الأبيض للحلم الأمريكي
العرق والأدائية والمجتمع الأمريكي في فيلم "آسف لإزعاجك"
تنقسم الأفلام في قاموسي إلى قسمين: أفلام مستفزة، وأفلام غير مستفزة. ولا أقصد الاستفزاز الناتج عن التمثيل السيء أو الإخراج النصف كم أو السيناريو المعطوب، وهي كلها أسباب وجيهة بلا شك. ما أعنيه هو الاستفزاز الناتج عن قدرة الفيلم على الضرب على وتر حساس تجاه علاقتنا بالعالم. بهذا المعنى، يكون الفيلم مستفزًا حين يعري جزءًا من منطق عالمنا، حين يكشف لنا البنى الخفية وراء الظواهر البديهية. وسواء كان الفيلم بالمجمل مسليًا أم لا، المهو هو أنه يدفعنا لمناقشة موضوع ما. موضوع هذه الخربوشة فيلم آسف لإزعاجك (Sorry to Bother You)، الفيلم الأول للمخرج الأمريكي بوتس رايلي، الذي أعتبره واحدًا من أكثر الأفلام التي شاهدتها مؤخرًا استفزازًا.
الفيلم مضحك، صحيح، وكمية أحداثه الغرائبية التي تُصعب على المشاهد الإشاحة بنظره عن الشاشة أكثر من أن تحصى. تبدو بعض أجزاء حبكته اعتيادية ومألوفة، مثل استطاعة رجلٍ أسود الصعود على السلم الاجتماعي في أمريكا نحو الثراء الفاحش، أو مثل ثورة العمال وإضراباتهم ومطالباتهم بأجور وظروف عملٍ أفضل، أو حتى مثل الفنان الذي يعتبر فنه مقاومةً للبنى الاجتماعية الاضطهادية التي يداهنها أصلًا من أجل استمرار معيشته.
لكن سر الفيلم هو أخذ رايلي هذه الأحداث وقولبتها في إطار الخيال العلمي والكوميدية السوداء اللذين يكشفان بنية المجتمع الأمريكي المعرقن، حيث لا توجد الاعتيادية إلا من خلال القمع المادي والرمزي لكل ما لا يتآلف مع هيمنة العرق الأبيض وقيمه. فبموازاة الأحداث الاعتيادية، نجد بشرًا يتحولون إلى نوعٍ (species) جديد يمازج ما بين الإنسان والخيل، ونجد عوالم موغلة في الشهوات والحفلات الجنسية الجماعية، كما نجد طبقات اجتماعية غير مرئية إلا حين تصير محط أنظار الطبقة المهيمنة. تكمن عبقرية فيلم آسف لإزعاجك في توظيف هذه الثيمات لتقديم قراءة بديلة للعرقية وتشكلاتها المعاصرة.
طيب وش هي حبكة الفيلم؟
يبدأ الفيلم بإعلان تلفازي لشركة “بلا قلق” (WorryFree)، والذي نعرف من خلاله أن نموذج الشركة الربحي قائم على تزويد العاملين فيها بالسكن والمأكل مقابل عقود عمل مدى الحياة بلا أجور. بعدها نجد أنفسنا في مشهد غرامي ما بين بطل الفيلم كاسيوس غرين (كاش) وحبيبته ديترويت، ومنه إلى معرفة أن كاش، الرجل الأسود الذي يستأجر كراج عمه في أوكلاند بكاليفورنيا، يحاول العثور على وظيفة بشكل عاجل ليدفع إيجاره ويغطي مصاريفه.
ولا يستغرقه الأمر طويلًا، فالمحتاج لا يتشرط، وسرعان ما يصبح موظف مبيعات في مركز اتصالات يُدعى ريغال فيو (Regalview)، مهمته الاتصال بالأرقام محاولًا بيعهم موسوعات والله أعلم ماذا أيضًا. في بادئ الأمر، يقضي كاش ساعاته الأولى في المكتب عاجزًا عن إتمام ولو بيعةٍ واحدة، سواء اتبع السكربت الذي أُعطيَ إياه أو جاء بإبداعاته الخاصة؛ كلما اتصل برقم، يكفيه التفوه ببضع كلماتٍ حتى يغلق الطرف الآخر الخط في وجهه أو يتجاهله.
يأتيه الفرج حين يخبره جاره المكتبي (وهو الآخر أسود) أن نجاحه مستحيل طالما ظل يتحدث على سجيته. ما ينبغي على كاش فعله هو استخدام “صوت أبيض”؛ بأن يتكلم حرفيًا كما لو كان رجلًا أبيض، بذات الصوت والنبرة والمفردات وبكل حمولة العرق الأبيض في طمأنة المستمع وجذبه لصفه في سبيل إقناعه بالشراء. يجرب كاش صوته الأبيض، ويتفاجأ بنجاحه السريع، ويراكم المبيعات تدريجيًا، وعينه لأول مرة محدقة في إمكانية صيره أحد نخبة صناع القرار المتصلين (Power Callers) العاملين في الدور العلوي.
في خضم كل ذلك، يتفق بعض موظفي ريغال فيو على الإضراب عن العمل في ساعة الذروة أملًا في الضغط على الإدارة لتحسين أجورهم وظروف عملهم. وقد بدا وأن الفكرة نجحت في البداية، حيث توقف جميع الموظفين عن الاتصال، مرددين “تبًا لكم، ادفعوا لنا”، كما بدا وكأن الجميع على قلبٍ واحد (وهو شرط نجاح الحركة، إذ بمجرد استطاعة الإدارة تفريق الشمل، ستستطيع قمع الإضراب وفصل المتسببين دون عواقب حقيقية).
نجح الموظفون في الجولة الأولى، وبدأت الآن مرحلة ما بعد الإضراب. صارت الإدارة تستدعي الموظفين واحدًا واحدًا في محاولة استجوابية -كما يبدو- لمعرفة المتسببين وتفريق صفهم وزرع جاسوس بينهم. ما نراه نحن المشاهدون هو استدعاء كاش وجلوسه أمام المدير وموظفة الموارد البشرية. ما إن جلس على الكرسي حتى أخذ يشتم ويتهجم عليهما قائلًا باستحالة خيانته للحراك أو تغيير مطالبه، ومؤكدًا بأن طرده لن يغير من هذه الحقيقة. انفجرا أمامه ضاحكين، وطمأناه بأن استدعائه ليس لفصله ولا لأي شيء متعلق بذلك، بل لتبشيره أن جهوده لوحظت أخيرًا من قبل العاملين في الأعلى، وأنه حصل على ترقية وبات واحدًا من صناع القرار المتصلين.
ونلحظ التغيير الطارئ على حياة كاش منذ دخوله المصعد المخصص للطابق العلوي. موظفة الموارد البشرية صارت تتودد إليه وتعبر بشكلٍ ضمني عن رغبتها فيه، إذ بات كاش ناجحًا وثريًا. وبمجرد وصوله للطابق، ندرك معه أن كل شيء قد تغير بالفعل. الزيادة في راتبه كفيلة بدفع إيجاره وتسديد ديون عمه وعيش حياة مرفهة بكل معنى الكلمة. وفي الوقت نفسه، ينتقل كاش من ضيق المكاتب والنفوس في الدور السفلي إلى مكاتب شريحة وزجاجية، حيث الناس مبتسمة ومحتفية ببعضها البعض. وبدل الاتصالات العشوائية لأرقام مجهولة، يتعامل كاش الآن مع عملاء لهم صيتهم وملفاتهم الخاصة عند الشركة. ومنها يكتشف كاش كذلك أن أنشطة ريغال فيو التجارية غير محصورة على الموسوعات والماديات السخيفة، إذ تمتد حتى لبيع الأسلحة والاتجار بالبشر (على الأقل عبر عقودها مع شركة “بلا قلق”).
ولأن السعي يعني حتمية الوصول، يحقق كاش حلمه بالثراء والحياة المرفهة، ونجده يبتعد شيئًا فشيئًا عن حبيبته ودائرة أصدقائه الذين شاركهم نفس المبادئ والعادات في حياته السابقة. وتنكشف العلاقة المتوترة بينهم حين حضر كاش المعرض الفني الأدائي الذي أقامته ديترويت. يتمحور العرض حول أفريقيا ونهب ثرواتها على يد القوى الاستعمارية والإمبريالية، وهو موقف ثوري يتعارض -نوعًا ما- مع نمط الحياة الذي ينتفع منه كاش. ولكن عامل الصدمة في المعرض هو وقوف ديترويت شبه عارية على خشبة المسرح، مرددة أسطرًا من فيلم “التنين الأخير”، في حين يُسمح للجمهور برمي المقذوفات عليها (المقذوفات هنا أغراض تابعة للعرض نفسه، مثل دم خروف وأغلفة رصاص وجوالات قديمة، وهي موضوعة لتُقذف وترمى). ثمة العديد من التأويلات المحتملة للعرض، سواء من حيث تسليع معاناة السود أو جعلها مادة للفرجة، أو من حيث تقصي مفهوم الفن ووظائفه في عصر رأسمالي. غني عن القول أن كاش يغادر العرض ساخطًا، عاجزًا عن فهم العرض، وتاركًا عالمه القديم وراءه.
أما في الوجه الآخر من حياته، يعتلي كاش درجات السلم الاجتماعي للحد الذي يجعله مدعوًا للحفلات الخاصة الملأى بالشهوات الحسية، لا سيما تلك التي يقيمها الرئيس التنفيذي لشركة “بلا قلق” ستيف لفت. وفي إحدى نقاط انعطاف الفيلم، يستدعي ستيف كاش أمام مجموعة من المدعوين للحفل، ويطلب منه حكاية بعض قصص نشأته في الحيّ (the hood). يتلعثم كاش محاولًا إخبارهم أنه ليس ابن الحيّ ولا يمتلك تجارب مليئة بالإجرام فيه، أي أنه ليس الأسود النمطي في مخيلة البيض. وبعد بضع محاولات تكذيب، يطلب ستيف من كاش بأن يغني لهم أغنية راب (لأن كل السود يجيدون غناء الراب). ليس بوسع كاش إلا الانصياع. يقف أمام المدعوين يخربط الكلمات محاولًا بأي شكلٍ من الإشكال الإتيان بأغنية راب متسقة، مع تضجر الحاضرين وسخريتهم الضمنية. كل ذلك يتغير حين يقرر كاش أن يردد مغنيًا كلمة “زنجي” فقط. ويحدث المتوقع بأن يطرب المدعوون للأغنية المؤلفة من كلمة واحدة ويتراقصون معها، فكأنما حضرت أخيرًا الصورة النمطية التي يبحثون عنها.
في سلسلة من الأحداث، يجتمع ستيف بكاش في مكتبه المغلق، ويطلب منه الجلوس لكي يعرض عليه فرصة وظيفية لا مثيل لها، مصحوبة بعرض فيديو لشرح فكرة المشروع الجديد. يقول كاش أنه يحتاج لاستخدام دورة المياه، وهو ما أدى به لأن يكتشف -عن طريق الخطأ- وجود مخلوقات نصف إنسان نصف خيل محبوسين هناك. وبمجرد محاولة كاش لاستعادة أنفاسه، يكتشف أن مشروع ستيف الجديد هو هذا المخلوق نفسه: كائن هجين يجمع أفضل ما في عالمي البشر والخيل لإنتاج عمالة أكفأ.
في الجزء الأخير من الفيلم، يحاول كاش جاهدًا فضح أنشطة شركة “بلا قلق” وكشف مخططاتها. ذهابه لوسائل الإعلام لم يكن مجديًا إطلاقًا، إذ يكتشف أن الإعلام نفسه جزء من المنظومة المهيمنة (لا سيما مع تحول محاولته الفضائحية إلى محتوى ترفيهي من نوعه الخاص، واستفادة شركة “بلا قلق” ماديًا من وراء الحملة. ولذا، لم يكن من بد إلا التعاون مع أصدقائه القدامى وتنظيم المظاهرات وإدلاعها لتحرير العمال من قبضة شركة “بلا قلق” وقوى الأمن المتحالفة معها. وضع كاش خطة محكمة. رغم البداية المتعثرة للمظاهرات وقدرة رجال الأمن على قمعها، يتمكن كاش من استدعاء المخلوقات الجدد (الإيكووسابينز) وضمهم لصف الثوار. ومع النجاح المؤقت للمظاهرة ووصولنا لنهاية الفيلم، نكتشف فجأة أن كاش تحول إلى إيكووسابين هو الآخر.
الاندماج وحدود الفوارق العرقية
يتخلل كل هذه الأحداث نقد الفيلم المبطن والمعلن لبنية المجتمع الأمريكي، على الأقل في علاقته بالعرق والاندماج (assimilation) والرأسمالية المتأخرة. وكأن حبكة الفيلم، بكل ما فيها من غرائبية، تحاكي منطق المجتمع في محاولة السعي لتفكيكه. فالحلم الأمريكي والنجاح مرهونان باعتناق أخلاقيات وسلوكيات محددة تستوجب على الفرد لا الانصياع وحسب، بل التحول باطنيًا وظاهريًا، ماديًا ورمزيًا.
لكن قبل تناول أيٍّ من الأبعاد المذكورة أعلاه، ثمة ما ينبغي قوله حول الافتراضات التي سأنطلق منها. لأغراض هذه الخربوشة، سأسمي الأفلام من قبيل آسف لإزعاجك أفلامًا خطابية، أي أفلامًا توظف مختلف التقنيات السينمائية لمساءلة تصوراتنا البديهية عن الواقع. مجرد الإحالة على مفردة “الخطاب” يستحضر بطبيعة الحال ميشيل فوكو ومفاهيمه حول العلاقة ما بين السلطة والمعرفة عمومًا. فالخطاب الفوكوي هو منظومة المعنى، أي الإطار الذي يحكم التفكير والحديث ويقرر معانيهما وتراتبيتهما وحدودهما، فضلًا عن تقرير ما هو مقبول أو مرفوض. في هذا السياق، يصبح التحليل الخطابي ذاك الذي يسلط الضوء على المنطق الكامن وراء التعبيرات لكشف آلية اشتغالها، بدل التركيز على التعبير نفسه.
وبالتالي، حين أقول أن آسف لإزعاجك فيلم خطابي، وأتناول تجلي ثيمات العرقية والاندماج الاجتماعي والرأسمالية المتأخرة، فأنا أشير تحديدًا للكيفية التي وظفت بها مختلف جوانب الفيلم في نقد المجتمع الأمريكي تحديدًا.
لا يسع المجال في هذه الخربوشة لاستعراض التاريخ المفاهيمي للعرق وارتباطه باستعمار الأمريكيتين منذ أواخر القرن الخامس عشر. المهم أنه في أواخر القرن السابع عشر، في بعض مستعمرات أمريكا الشمالية مثل فرجينيا وماريلاند، كانت الآيديولوجيا العرقية قد بدأت تتشكل قياسًا على الأنماط الظاهرية. فالعبودية المشروطة مثلًا، والتي كانت مستقلة عن لون البشرة أو أي خصال ثقافية أخرى، أخذت تزيح المجال شيئًا فشيئًا لظهور استعباد مرهون بالتحدر من أصل أفريقي. بعبارة أخرى، في حين كان هنالك “بيض” مستعبدون شرطيًا، تحول الاستعباد بمرور الوقت إلى مؤسسة قائمة على إخضاع السود بناء على أسس عرقية. حري بالقول أن العرق يتشكل من خلال الخطابات التي توظفه والمؤسسات التي تحتضنه. فحين أستخدم مفردة “بيض” بين علامتي تنصيص، فأنا أعني أن العرق الأبيض قد تشكل هو الآخر في ظل هذه الخطابات والمؤسسات؛ ليس ثمة عرق أبيض أو أسود قبل الخطابات التشكلية.
بهذا المعنى، اكتسب العرق مفهومه المألوف لنا، والذي يمازج ما بين الصفات الظاهرية (مثل لون البشرة ونوع الشعر وحجم الأنف) والخصال الببيولوجية والثقافية، بحيث تنقسم البشرية تبعًا لذلك إلى جماعات يمكن ترتيبها هرميًا على طول يمتد من البربرية (أي الأعراق الأقرب للحيوان) إلى الحضارة. وغني عن القول أن التفوقين العسكري والاقتصادي للقوى الاستعمارية غربيّ أوروبا فُسّرا بصفتهما امتدادًا لجوهر كامن في العرق الأبيض وثقافته ونظرته الكونية، الأمر الذي جعله معيارًا تُقاس عليه بقية الأعراق ومراحلها الحضارية.
ولا يقوم العرق إلا بنظريةٍ تفسر التشكلات العرقية وتبحث خصال الأعراق وعلاقاتها مع بعضها البعض. يمكن تقصي ذلك في سياق أمريكا تحديدًا بواسطة الكيفية التي تمأسست بها الأعراق ضمن المنظومة الاجتماعية-السياسية. فسواء عايننا استمارات التعداد السكاني والتحولات التي طرأت في تعريف الأعراق المختلفة، أو بحثنا الانزياحات المفاهيمية التي جعلت بعض الجماعات جزءًا من العرق الأبيض رغم كونها خارجه في فترةٍ من الفترات (مثل الإيطاليين والإسبان واليهود)، سنجد دائمًا أولوية العرق في تعريف بنية المجتمع الأمريكي والجماعات فيه. هذا ما أعنيه بكون المجتمع الأمريكي معرقنًا.
لكن كما أشارت لورا تابيلي، فالعرق والتشكلات العرقية ليست إلا نتاج عمليات عرقية، عمليات ديناميكيةٍ وعلائقيةٍ وتاريخانية تتداخل فيها الطبقة والجندر والجنسانية وغيرها لتجعل العرق يبدو “طبيعيًا” في سياقات تشكله. وهذه الفكرة نقطة انطلاق باتريك وولف في كتابه المهم آثار التاريخ، الذي يبحث فيه السياقات التي تتشكل فيها الأعراق وتتباين. فالأسود (أو الزنجي) في أمريكا يختلف في تعريفه -عرقيًا- عن السكان الأصليين، ويختلف عن الزنوج والطبقات العرقية المختلفة في البرازيل مثلًا. وهذا الاختلاف وليد السياقات التي تُدمج فيها الأعراق أو تُستبعد من بنية المجتمع المثالي بناء على المصالح الاقتصادية والسياسية. ففي حين يرتبط السكان الأصليون -مثلًا- بآيديولوجيا إدماجية تهدف لتخفيف وطأة نهب الثروات والاستيلاء على أراضيهم من قبل حكومة الولايات المتحدة، يجد السود أنفسهم مرهونين بتصورات طهرانية عن العرق الأبيض وما إلى ذلك. وكل ذلك طبعًا لا ينفصل عن السياقات السياسية والاقتصادية الكامنة في عملية توسع عمليات الإنتاج الرأسمالي وحاجته لإنتاج فائض الربح وتقليل كلفة العمالة المنتجة.
وهنا يبرز كاش بطل فيلم آسف لإزعاجك، الذي يجد نفسه ابتداء في درجة اجتماعية دنيا مرهونة بعرقه. فهو رغم وجوده داخل المجتمع الأمريكي، إلا أن محض وجوده، بمظهره الخارجي وطريقة كلامه، إثبات للفوارق العرقية والطبقية التي تتيح لأفراد المجتمع امتيازات مختلفة. لكن بمجرد بدء كاش بالتحدث بصوته “الأبيض”، بمجرد تقليده العرق السائد واستخدام مصطلحاته والسعي وراء تحقيق قيمه، يدخل سؤال إمكانية الاندماج؛ الاندماج بصفته تخليًا عما هو أدنى لمصلحة ما هو أسمى.
وهنا نقطة استطراد ضرورية. لا ينبغي فهم الاندماج هنا بصفته تمازجًا. فعلى سبيل المثال، حين ندمج اللونين الأحمر والأزرق ببعضهما، فالناتج هو اللون البنفسجي، محصلة المزج ما بينهما. أما في حالة الاندماج الاجتماعي، في حالة دخول كاش للمجتمع الأبيض “المغلق” في سياق الفيلم، فالحقيقة أن الاندماج ليس متكافئًا؛ لكي ينجح كاش في الانضمام للمجتمع الأبيض، لكي تنجح الأقلية في الاندماج مع الأكثرية، فإن عليه التخلي عن بعض جوهره لصالح قيم الأغلبية. هذا يعني أن العرق الأبيض يحافظ على قيمه وتصوره عن نفسه دون أي تنازلات كانت. قبول كاش داخل مجتمعهم يعني ضرورة أن يتخلى هو عن بعض ما يميزه عنهم ليتبنى أخلاقياتهم وسلوكياتهم. ولذا نشاهد في الفيلم أنه كلما صار كاش أقرب للبياض، كلما ابتعد عن أهله وناسه. وهذا بدوره يؤكد أن الاختلاف العرقي مقبول (ومرغوب حتى) طالما حافظ على بنية المجتمع وتباينه العرقي.
ولا أوضح على ذلك مثالًا في الفيلم من الكيفية التي وقف فيها كاش أمام الجمع المدعو للحفلة يغني الراب عن طريق تكرار كلمة “زنجي” فقط. فكما أسلفت ذكرًا، ثمة صورة نمطية يحملها المدعوون (وجلهم بيض) عن السود وحياتهم وخلفياتهم الاجتماعية. وجود كاش بينهم لا يعني صيره منهم إلا بقدرما يؤكد اختلافه عنهم. فهو إذ يقف أمامهم مادةً للفرجة مطالبٌ بالتوكيد على أنه مستعد لخيانة عرقه.
ولأن اندماج كاش المزعوم جاء في سياق بزوغ نجمه في عالم الشركات، فلا ضير من رؤية العرق بصفته قابلًا للتداول وفق اعتبارات السوق العرقي. ذلك أن مظهره الخارجي تضاءلت أهميته أمام حقيقة نجاحه المهني (المبني على صوته الأبيض). بعبارة أخرى، لم يعد العرق مهمًا طالما أمكن تحويله لقيمة سوقية؛ كأن الهوية محض سلعة أدائية قابلة للتسويق والاستهلاك وفق الحاجة. ولربما تصح هنا الإشارة لأدائية ديترويت، صديقة كاش، حيث هي الأخرى تقف على خشبة المسرح تؤدي عرضًا يؤكد هويتها العرقية ضمن أعراف السائد.
ولا يقف الفيلم عند هذا الحد، إذ لا يكتفي بتبيان الكيفية التي يتقاطع العرق فيها مع الطبقة والجندر وغيرهما. حضور المخلوقات الهجينة ما بين البشر والخيل يسلط الضوء على أمرين إضافيين: توغل المنظومة الرأسمالية بالحد الذي يهدد بفناء البشر أنفسهم، إضافةً لبطلان العرق كمقولة اجتماعية. فالإيكوسابينز نتاج العنف الضروري لإنتاج الطبقة العاملة على الدوام، سواء عُرّفت عن طريق “عرق” موجود أم لا. وهنا عبقرية بوتس رايلي في معالجة التشكلات العرقية: طالما وُجدت الحاجة لإنتاج فائض الربح عن طريق إخضاع طبقةٍ ما، فستظهر للساحة تشكلات جديدة تعيد تعريف الأعراق القائمة. وما تحوّل كاش إلى أحد الإيكوسابينز إلا دليلًا على العنف اللازم للاندماج: لا تكفي مجرد المحاكاة والأداء، بل لا بد من تحول جسدي يعيد بدوره ترسيخ القيم المهيمنة.
إضافة لمطالبة فيلم آسف لإزعاجك، بطريقته الخاصة وغرائبيته، بتمحيص سياسات التخالط الاجتماعي، ينتهي تاركًا في أذهاننا سؤالًا ملحًا: إن كان الانتماء يتطلب على الدوام نوعًا من الأدائية -أدائية عرقية أو جندرية أو غيرهما-، فمن الذي يكتب السكربت ويضع قواعده؟ وفضلًا عن ذلك، إذا كانت بنية المجتمع برمته معرقنة، فهل يمكن تقويضها دون كشف تعالقها مع الظواهر الأخرى وإنتاج خطاب ومقاومة جمعيين جددًا؟




