آداب صالحة للاستهلاك
وأسئلة أخرى حول الأدب العربي في الجامعات الغربية
“قد نتساءل، لماذا ينبغي على الكاتب الإفريقي (أو على أي كاتب) الانشغال لهذا الحد [بقضية] الأخذ من لغته الأم لإثراء لغاتٍ أخرى؟ ولماذا يعتبر ذلك مهمته الخاصة؟ لم نسأل أنفسنا قط: كيف بوسعنا إثراء لغاتنا نحن؟ كيف يمكننا “افتراس” الإرث الإنساني والديمقراطي الغني الكامن في نضالات شعوبٍ أخرى، في أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة، لإثراء تراثنا نحن؟”
- نغوغي وا ثيونغو، ديكولنة الذهن (١٩٨٦)
ما إن قرأت الاقتباس الذي غرده البازعي حتى تحسست مسدسي الحلطومي. ينقل البازعي اقتباسه عن فابيو كاياني، أستاذ اللغة العربية في جامعة سانت أندروز البريطانية، وتحديدًا من كتاب الرواية العربية المعاصرة (Contemporary Arabic Fiction) المنشور عام ٢٠٠٧. تورد التغريدة الآتي:
“يقرأ الأكاديميون وغير الأكاديميين الغربيون على حد سواء الروايةَ العربية اليوم وفي الغالب لأسباب غير أدبية. بتعبير آخر، الروايات العربية تقرأ عادة...وتحلل ليس بوصفها أعمالاً فنية ذات جدارة فنية وإنما من حيث هي وثائق تلفت الانتباه من عدة زوايا أنثروبولوجية، واجتماعية-سياسية، ونسوية، وتاريخية، إلى آخره”
ما يقوله كاياني صحيح بشكلٍ عام، ولست أقول عكس ذلك. يكفيكم مطالعة مقررات بعض مساقات الجامعات الغربية أو الأبحاث الأكاديمية لتروا الارتباط الوثيق ما بين الرواية العربية والقراءات الثقافية ونحوها. فلو أخذنا مثالًا رواية بنات الرياض، موضوع الجدل المحبب لدى ديناصوراتنا، سنجد أنها استُخدمت حديثًا لقراءة الأبعاد الجندرية والاجتماعية (٢٠٢٥)، وممثلة للطبقة المخملية (٢٠٢٥)، ولقراءة الأبعاد النسوية-الإسلامية واستجابة القارئ تجاه بنية المجتمع الذكورية (٢٠١٩). ومن هذا الأساس، لا غبار على تشخيص كاياني.
لماذا تحسست مسدسي إذن؟ لأن الشكوك ساورتني حيال الافتراضات المبطنة في الدعوى وعدم مساءلة كاياني للأسس نفسها. لا تفهموني خطأ؛ كاياني شخَّص الأعراض (لم أقرأ الكتاب فلا أعرف نجاحه في ذلك)، ولكنه لم يتجه لأصل العلة. إذا قرأتم تغريدتي التعقيبية على البازعي، فسترون أني أبديت اعتراضاتي الرئيسية (حول مكانة الرواية العربية في الأكاديميا الغربية بصفتها وثيقة أو شاهدة ثقافية) من زاوية المنظومة التي تشرعن المعرفة وشروط إنتاجها أساسًا. فحتى قبل قراءتي الجزئية القادمة أدناه، أشرت للنقص الذي يشوب كلام كاياني، وذلك لأن بنية الجامعة بحد ذاتها هي ما يخضع الأدب العربي لأولويات القراءات الثقافية (الغربية) عنها. وأضفت أن الأمر لا ينفك عن عرقية مفهوم المعرفة ومؤهلات إنتاجها، حيث يحضر الرجل الأبيض بصفته الذات العارفة المقررة لأصول المعرفة وشروطها وشرعيتها.
ولأن الأدب جزء من هذه العملية، فلا غرابة أن تصبح أعمال البِيض مراجع أدبية وفنية تستلهم منها النظريات حول جمالية الأدب، في حين تعتبر أعمال غير البيض محض إنتاجات قابلة للقراءة والتوظيف الثقافيين؛ ليست الرواية العربية -في هذا السياق- إلا شاهدة على الثقافة الجمعية التي تنحدر الرواية منها (أمثلة بنات الرياض أعلاه كافية لتبيان ذلك). يعني، دعنا نفترض أن روائيًا عربيًا هو من كتب لوليتا: هل تتخيلون كمية الأبحاث التي ستُكتب عن البيدوفيليا بصفتها جزءًا من النسيجين الاجتماعي والديني في المجتمعات العربية كافة؟ هل تتصورون مدى اعتبار الرواية نوعًا من الفضائحية الذي يشي بطبيعة العلاقات الاجتماعية ونظرة المجتمع العربي المتخلف للقاصرات؟ (بالمناسبة، هذه فرصة لمن يود قراءة لوليتا من زاوية مشابهة لتحليل بيدوفيلية المجتمع الأمريكي الإبستيني، لا سيما بظهور صور ضحايا تحمل أجسادهن اقتباسات من الرواية إياها).
ما علينا. لزيادة الطين بلة، تطغى هذه القراءات الغربية حتى على كيفية قراءتنا للآداب المنتجة لدينا. وأنا أكتب سطور هذه الخربوشة، قالت إحسان بعض ما في خاطري حول الموضوع. كل من يتابع جدالات المثقفين السعوديين المتكررة حول بنات الرياض سيجد الأسئلة المكررة نفسها: هل الرواية تمثلنا؟ لماذا تترجم الرواية للإنجليزية مع أنها “سيئة”؟ لماذا يطير الغرب بفضائحية الرواية؟ هل غازي القصيبي هو كاتب الرواية الحقيقي؟ لماذا الاثنين قبل الثلاثاء؟
بعض هذه الأسئلة واقعٌ في فخاخ التصور التمثيلي للأدب؛ التصور الذي يعتبر الرواية ممثلةً لسياقات كاتبها أو كاتبتها الاجتماعية. ولا أحتاج للتفصيل أكثر حول وضوح علاقة التصوير التمثيلي بثرثرتي حتى الآن، أي حول علاقته بمعايير الجمالية والتوظيفات الأدبية المستلهمة مما هو قائمٌ في الأكاديميا الغربية ومن والاها. الخلاصة الكافية هي أن التصور التمثيلي للأدب العربي يعني قابلية توظيفه بصفته مفتاحًا لفهم الشعوب العربية أينما وحيثما ومتى ما كانت.
عمومًا، كتبت الرد التويتري المطول لئلا أخليه في خاطري، مع ذلك ثمة ما ظل عصيًا على البلع. لذلك أعددت كوب قهوة، ثم كوب شاي، ثم تكفخت قليلًا في Cuphead، ورجعت للمصدر الذي اقتبس منه البازعي لأتيقن مما إذا كانت شكوكي واستنتاجاتي المسبقة مبررة أم لا. والجواب القصير هو أنها مبررة طبعًا، كالعادة.
دعوني أقتبس جزئية أكبر من المقدمة، واعذروني للترجمة الشات جبتيّة لأني لا أود تضييع وقتي وأنا ما زلت متكفخًا في Cuphead:
تهدف هذه الدراسة إلى سدّ فجوة في مجال النقد (باللغة الإنجليزية) للرواية العربية المعاصرة. وهذه الفجوة ذات طابع كمي ونوعي في آنٍ واحد. فمن جهة، تفوق الدراسات المكتوبة بالإنجليزية التي تركز على كتّاب الأجيال السابقة -والتي يهيمن عليها نجيب محفوظ (١٩١١-٢٠٠٦)- تلك التي تتناول الجيل موضع البحث هنا. ومن جهة أخرى، يبدو واضحًا أن السرد العربي يُقرأ اليوم، في كثير من الأحيان، من قِبل القرّاء الغربيين الأكاديميين وغير الأكاديميين على حد سواء، لأسباب خارج أدبية. بمعنى آخر، تُقرأ الروايات العربية (غالبًا في ترجمتها) وتُحلَّل لا بوصفها أعمالًا فنية قائمة بذاتها، بل لأنها تُعتبر وثائق مثيرة للاهتمام من زوايا متعددة: أنثروبولوجية، وسوسيولوجية-سياسية، ونسوية، وتاريخية، وغيرها.
وبالطبع، فإن جميع هذه المقاربات مشروعة، ويمكن لكل منها أن يضيف إسهامًا مهمًا في فهمنا للمجتمعات العربية، فضلًا عن إثراء الحقول المعرفية التي تنتمي إليها. ومع ذلك، فإن إغفال العناصر الأدبية والفنية والتقنية في هذه الروايات يعني إهمال أهم جوانبها. فهذه الأعمال، وإن كانت تتناول ظواهر اجتماعية وسياسية وتاريخية، فإنها تعالجها بطريقة تختلف جذريًا عن كتب التاريخ أو المقالات الصحفية أو الدراسات الأكاديمية. ويتمثل هذا الاختلاف في الشكل الذي يختاره الكاتب لتجسيد هذه الموضوعات، وهو شكل الرواية، أي العمل التخييلي الذي ينبغي تقييمه من خلال النظر في كيفية منح شكلٍ معين حياةً لمحتوى معين.
وبعبارة أخرى، سنعنى في هذه الدراسة بجماليات هذه الأعمال، معتمدين على تحليل نصّي دقيق للجوانب التقنية، مثل الصوت السردي، والبنية، والأسلوب، والمزاج. ولذلك، تنقسم الدراسة الحالية إلى فصول مكرّسة صراحةً للجوانب الشكلية في الروايات المدروسة. ووفقًا لقراءتنا، فإن أبرز جوانب الابتكار في هذه النصوص تتمثل في:
١) التقطيع السردي
٢) تعدد الأصوات
٣) التناص
٤) الميتا-سرد
ويقابل كلًّا من هذه الجوانب الأدبية رصيدٌ نقدي متفاوت التبلور (تطوّر أساسًا في الغرب)، ففي بعض الحالات نجد نظرية أدبية متكاملة، وفي حالات أخرى مجرد منهج نقدي. وسنشير إلى هذا الرصيد النقدي طوال هذا العمل. فعلى سبيل المثال، حين نقرّ بأن من السمات المشتركة في كثير من النصوص المدروسة تعدد الأصوات السردية، يصبح من المتعذر تجاهل ما كتبه ميخائيل باختين ونقّاد غربيون آخرون حول هذه الظاهرة الأدبية.
ومع ذلك، فإن اعتمادنا على هذه الأعمال (والمفاهيم النقدية العامة التي تنتج عنها) لا يعني أننا سنطبّق بشكل جامد المناهج النقدية التي يعتمدها الباحثون الغربيون عند تناولهم لهذه الجوانب الشكلية، ولا يعني أيضًا أننا سنصل بالضرورة إلى النتائج نفسها. إنما وجدنا هذه المفاهيم العامة (والتي خضعت لنقاش واسع) نقاط انطلاق مفيدة لإجراء تحليل شكلي صارم للروايات ومناقشة مضامينها. وبينما يظل هذا التحليل هدفنا الرئيس، فإننا نسعى أيضًا إلى تحديد ما نعنيه بهذه المفاهيم النقدية بأكبر قدر ممكن من الوضوح، لا سيما أنها كثيرًا ما تُستحضر في مناقشات السرد العربي دون أن تُعرَّف تعريفًا دقيقًا.
إذن، لو أردت تلخيص الجزئية بعبارة قابلة للحلطمة، يهدف كتاب كاياني لسد الفجوة النقدية الموجودة في الأبحاث باللغة الإنجليزية، في تحليل العناصر الأدبية بالروايات العربية تحديدًا منذ أواخر القرن الماضي، عن طريق استخدام مناهج نقدية تطورت في المقام الأول في الغرب. حان الآن وقت التربّع.
أعتقد أن مدخل الحلطمة الأمثل هو الجمهور المستهدف بالكتاب. بشكل عام، طلة واحدة على الغلاف تخبرنا أن فابيو كاياني (الإيطالي)، أستاذ اللغة العربية بجامعة سانت أندروز (البريطانية) نشر كتابه ضمن سلسلة دراسات روتلدج في آداب الشرق الأوسط. ولو قلبتم للصفحة التالية من الكتاب، ستجدون الجملة الأولى فيها كالتالي:
“يُعرّف هذا الكتابُ القراءَ في الغرب على بعض أهم الروايات المكتوبة بالعربية منذ عام ١٩٧٩”
وبالتالي، لا ضير في اعتبار الكتاب موجهًا بشكلٍ رئيس للغرب، وللأكاديميين هناك على وجهٍ أخص. كونه مكتوبًا بالإنجليزية ضمن منشورات دراسات روتلدج يعني تحقيقه الحد الأدنى من المعايير البحثية، أي التزامه بأسس البحث ومنهجياته مثلما هو متعارفٌ عليها داخل العالم الأكاديمي.
أتحلطم حول هذا الأمر لأن جمهور الكتاب وأطروحته، على عكس ما قد يبدو من قراءة الاقتباس مجتزأ، يمتلكان نفس المرجعية؛ كلاهما ينطلق من منظومة معرفية غربية تقرر ماهية المعرفة (أي الفرق بين المعرفة وغير المعرفة) وشروطها وكيفية إنتاجها. فالقارئ الغربي المخاطب بالكتاب يُفترض إلمامه مثلًا بمعنى “الأدب” بصفته مجالًا معرفيًا، ناهيكم عن إلمامه بمعنى وأغراض القراءات الأنثروبولوجية أو السياسية أو ما أشبه. والدليل طبعًا على ذلك محاولة كاياني الخروج من عباءة القراءات الثقافية عن طريق تقديم قراءة “أدبية” للروايات العربية، متمثلة في تركيزه على التقطيع السردي وتعدد الأصوات والتناص والميتا-سرد، وكلها مما يمتلك جذوره في نظرية النقد الغربية ويستخدم في تحليل الأعمال غير العربية. بعبارة أقل جعجعة، يستخدم كاياني الأعرافَ الأكاديمية، سواء من حيث ما يميز الأدب عن غيره من المجالات أو من حيث المقاربة المرادة، ليقوض مشكلة موجودة في الأكاديميا.
ولكن ماذا سيحدث لو جاء متحلطم زيي وقال أنه غير مهتم بترهات العالم الأكاديمي أساسًا؟ ماذا لو جاء متحلطم زيي كافرٌ بكون الجامعة موقع الإنتاج المعرفي الأوحد، وبأسبقية نظريات النقد الغربية في تحليل الأدب العربي؟ نظرية استجابة القارئ قابلة للتوظيف لفهم بنات الرياض، وخير يا طير؟ حتى نظرية الفستق قابلة للتطبيق لمن يود شد حيله. لا تحتكر نظرية الأدب قراءة العمل الروائي، ولا القابلية لتطبيق النظريات يسبغ على الرواية قيمة أعلى.
لإحقاق الحق، كاياني نفسه يقول أن القراءات “غير الأدبية” مشروعة، وأن كتابه لا يعني نهائيًا إغلاق العمل الروائي في وجه القراءات المتعددة. وهذا القول سليم بشرط استيعاب أن القراءة الأدبية، حالها حال القراءة السياسية أو الاجتماعية أو الفلسفية أو غيرها، جزء من مشكلة تأليه منظومة المعرفة الغربية. حين نتكلم اليوم عن مختلف النظريات القابلة للاستخدام في تحليل الأدب، وحين نتكلم عن الأدب بحد ذاته بصيغة المفرد وبافتراض تاريخ ممتد للماضي السحيق، وحين نستحضر في معرض كل ذلك كتَّابًا هم الذين يشكلون أعمدة هذا التطور الأدبي عبر العصور، فنحن بالضرورة قابعون ضمن المنظومة إياها.
وما هي هذه المنظومة التي لا تنفك تتحلطم عليها يا حسين؟ ببساطة، هي منظومة تبلورت على أساس الانفصال ما بين الذات والموضوع، ما بين المُنتج للمعرفة والمعرفة نفسها. كون الانفصال موجودًا بشكل أو بآخر في العديد من بقاع العالم بمختلف الأزمنة أمرٌ لا غبار عليه. ولكن المنظومة اكتسبت خلال القرون الثلاثة الأخيرة بُعدًا مختلفًا يستحق تمييزه عن بقية السيرورات المشابهة: ارتباطها بفكرة حضارةٍ غربيةٍ موحدةٍ، وتبلور مفهوم الذات فيها على طول أسس عرقية يتربع العرق الأبيض في طليعتها، ومأسستها في الجامعة الحديثة التي باتت معقل إنتاج المعرفة الأبرز في أغلب أنحاء العالم.
سأضرب مثالًا سريعًا لئلا أحيد عن الفكرة أكثر مما يجب. إذا صادف وارتدتم إحدى الجامعات الغربية أو المؤسسة وفق النموذج الغربي (وهو النموذج الأكثر هيمنة اليوم)، فسيسهل عليكم ملاحظة انقسام الجامعة إلى كليات متخصصة. هناك كلية الآداب مثلًا بتخصصات مثل التاريخ والأدب، وكلية العلوم الاجتماعية بتخصصات العلوم السياسية أو علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا. وقد تتداخل الأقسام وتتخارج بحسب بنية الجامعة والميزانية الموجودة وما أشبه طبعًا، بل قد يصبح هناك تخصص “بينيّ” قائمة على تداخل أكثر من تخصص في تأهيل الطالب. لكن كل ذلك لا يغير من حقيقة أولوية التخصص في بناء الصرح الجامعي. وما الذي يميز التخصصات عن بعضها؟ بشكلٍ عام، كل تخصص يمتلك منهجيته ومرجعيته الخاصتين، بحيث يمكن للطالب الذي ينتسب للتخصص أن يؤهل ضمن أعراف محددة تستثني تخصصات أخرى. فلو قرأ طالب العلوم السياسية وطالب الفلسفة نفس كتاب السياسة لأرسطو مثلًا، فإن دوافع كل منهما من وراء قراءة الكتاب ومخرجاته ستختلف عن الآخر. بعبارة أخرى، هناك ارتباط وثيق ما بين كيفية التدريس والمخرجات المتوقعة والمنهجيات المستخدمة.
تتضح أهمية هذا التصور حين نضعه في سياق تبلوره مع بدايات القرن التاسع عشر، وتحديدًا مع تأسيس جامعة برلين (١٨١٠) التي يمكن القول بأنها أعادت تعريف مفهوم التعليم العالي والجامعة عمومًا. قامت الجامعة على أساس التعليم والبحث المنهجيين والمتخصصين، وعلى أساس التعليم القابل لإعادة الإنتاج إن صح التعبير (بمعنى أن من المتوقع على الطالب الذي يدرس تخصصًا ما أن يصبح قادرًا على تدريسه بنفس المنهجية والأدوات). وبطبيعة الحال، صارت جامعة برلين لاحقًا نموذج الجامعات الحديثة في مختلف بقاع العالم. ففي الولايات المتحدة مثلًا، تأسست جامعة جونز هوبكنز عام ١٨٧٦، وتأسست جامعة شيكاغو عام ١٨٩٠، وفي المملكة المتحدة تأسست جامعة كلية لندن عام ١٨٢٦، وتأسست جامعة برمنغهام عام ١٩٠٠. كل هذه الجامعات تأسست ونموذج الجامعة البحثية الألمانية في الحسبان (ناهيكم عن الجامعات الأخرى التي انتهجت إصلاحات تهدف لإدخال النموذج البحثي).
وفي السياق نفسه، لو عدنا لتاريخ التخصصات الجامعية نفسها (على الأقل في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية)، سنجد ما يدعم قراءة الموضوع برمته ضمن سياق تطور النظم التعليمية. ذلك أن الثورة العلمية وتراكم المعرفة الدقيقة في المجالات الطبيعية قد حدا بالمعارف غيرها لتقديس النموذج العلمي. وكما درج التمييز بين الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا مثلًا، هيمنت فكرة إمكانية الإتيان بتمييز منهجي ومعرفي مشابه لـ “المجالات” الأخرى. فالفلسفة صارت تخصصًا مستقلًا مطلع القرن التاسع عشر، في حين صار التاريخ كذلك بحلول عشرينياته، والاقتصاد والأنثروبولوجيا بحلول ستينياته، والأدب -موضوع الخربوشة- مع سبعينياته تقريبًا.
ولا يعني ذلك نزول تخصص الأدب من السماء كاملًا متكاملًا. هنالك العديد من المحاولات منذ منتصف القرن التاسع عشر لإدخال تخصص “الأدب” في الجامعة باستقلال عن الفيلولوجيا والتاريخ السيري وما أشبه. يعني، لو حاولنا تعريف “الأدب” بصيغة المفرد، أي بمفهوم يشمل كلما يندرج بشكل عام أو خاص تحت مسمى الآداب عبر التاريخ، لوجدنا أننا عاجزون عن فعل ذلك إلا وصفيًا وضمنيًا. في عام ١٨٩١، نشر جون كولنز كتابه حول الأدب الإنجليزي مستجديًا أصحاب القرار اعتماد التخصص في الجامعات، وقد دار الكتاب بشكل رئيسٍ حول “موضوع” التخصص إضافة لكيفية تدريسه. حاول كولنز إثبات أن التعليق على سيرة الكاتبِ وتحليلات النص اللغوية ليسوا كافيين لتعريف الأدب بصفته مجالًا خاصًا، وإنما يتطلب الأمر إعادة النظر في ماهية الأدب نفسه. وفي عام ١٩٢٤، كان ريتشاردز ما يزال يحاول البرهنة على جدوى النقد الأدبي والتنظير للشعر بواسطة مقارنته بالعلم، وكل ذلك في سبيل إكساب الأدب تصورًا مغايرًا عن مجالات أخرى. وقد ظل موضوع “علمية” الأدب والنقد هاجس النقاد الأدبيين لسنوات عديدة لاحقة (تطرق نورثروب فراي في كتابه تشريح النقد المنشور عام ١٩٥٧ لتأخر النقد الأدبي عن العلوم الطبيعية، وهو ما حدا به لمحاولة وضع الأسس العلمية للنقد الأدبي بما يقطع الشك باليقين).
والله نسيت نفسي قليلًا. ما أردته من وراء هذا الاستطراد الطويل هو تبيان العلاقة ما بين مفهوم الأدب نفسه -بصفته مجالًا معرفيًا منتجًا وتدريسيًا- وبنية الجامعة نفسها. ثمة تلازم جلي ما بين المعرفة الحقة وإنتاج المعرفة وفق اشتراطات أكاديمية وبحثية وأعرافية. ولذلك، حين يقول كاياني أن أغلب المعارف المنتجة عن الأدب العربي تدور في فلك القراءات الثقافية، فهو يستحضر -ضمنًا- هذا الانقسام التخصصي/المنهجي، والذي يعني بدوره تمايز الغرض من عملية البحث نفسها.
وبالإضافة لذلك، حين يقول أن هدف الكتاب إعادة الاعتبار للأبعاد الأدبية، فهو مجددًا يستحضر التباين ما بين الأدب وما هو خارجه؛ الميتا-سرد والتناص وتعدد الأصوات والتقطيع السردي كلها من أدوات الناقد “الأدبي”، الأدوات القابلة للتطبيق على أي عمل “أدبي” بمعزل عن أصله وجنره وما إلى ذلك. ولكنه لا يسائل منطق اعتبار هذه الأدوات أدبية أو نصية بشكل جذري. هل نستطيع تطبيق هذه الأدوات على كتب الفيزياء مثلًا؟ أو كتب التاريخ (أرمي لكم طعمًا للاستشهاد بهايدن وايت)؟ أو بعبارة أكثر استفزازًا: هل ثمة “قيمة” من وراء تطبيقها على “نصوص” غير “أدبية”؟
وهذا ما يوصلني للحلطمة الأخيرة، رغم طولها. يقول كاياني أن الأعمال الأدبية العربية تقرأ في الأكاديميا الغربية على أنها شواهد ثقافية قابلة للتوظيف في عملية إنتاج المعرفة، وهذا صحيح. لكني أختلف عنه في سبب القراءات الثقافية؛ ليس الأمر تجاهل تطبيق نظريات النقد الأدبي على الأعمال الروائية بقدر ما هو وظيفتها ضمن بنية الجامعة ومفهوم المعرفة العرقية الكامن فيها.
من جانبٍ أول، لاحظوا أن الكاتب نفسه أستاذ “اللغة العربية” أو “الآداب العربية”، وغالبًا ما ستجدون مجاله يتقاطع مع دراسات الشرق الأوسط أو دراسات المناطق (وهذا ينطبق على مجالات كعلوم السياسة والتاريخ). وكذلك يحدث حين يصبح أحدهم أستاذًا في الأدب الأفريقي، أو الفلسفة الإسلامية، أو السياسة البلقانية. في كل واحدة من هذه الحالات، يتم اختزال مساحات شاسعة بدول متعددة ولغات مختلفة وشعوب غير متجانسة ضمن مقولةٍ تحليليةٍ وحيدة، كما لو أن الاختلاف برمته قابلٌ للتفسير عن طريق الاستناد لأصلٍ أو علة وحيدة.
وفي المقابل، قارنوا نسبة عثوركم على فرد يتخصص في آداب أو تاريخ الغرب أو أوروبا كافة. يعني، من السهل أن تجدوا متخصصًا في الأدب الإيطالي فقط، أو التاريخ الإنجليزي، أو الفلسفة الألمانية، ومن غير المتوقع منهم نهائيًا الإلمام بآداب أو تواريخ أو فلسفات شعوب أو مناطق أخرى (هناك استثناءات طبعًا، ولكنها تعود للصياغة داخل تخصصات فرعية لها حدودها). أما في حالة المتخصص بالأدب العربي، لا أبدًا، إلمامه باللغة يعطيه حق التنظير على كل العالم العربي من شرقه لغربه. وفي حالةِ كونه غربيًا (سواء من حيث تعريفه لنفسه أو تعريف الآخرين له)، فما شاء الله، يستطيع الانتقال بكل بساطة من تخصصه إلى تحليل بنية وتاريخ المجتمعات العربية منذ ما قبل الإسلام. هل ذلك استمرارية لعرقنة العرب وافتراض أنهم جميعًا يمتلكون نفس التاريخ والخصال الثقافية والتنظيمات الاجتماعية والمعتقدات الدينية؟ هذا موضوع آخر.
ولا يقتصر ذلك على الأدب العربي والمتخصص فيه طبعًا. استفتحت الخربوشة باقتباس من نغوغي وا ثيونغو، من فصل يتطرق في بعض جزئياته لهيمنة اللغات الأوروبية وسطوتها على الذهن وآليات اشتغاله. أفرد نغوغي السطور لمناقشة آثار الاستعمار غير المادي، وللدور الذي تلعبه النخب المثقفة (غربيةً كانت أم لا) في ترسيخ السرديات التي تُطبّع فوقية الغرب والعرق الأبيض أنطولوجيًا وإبستمولوجيًا (إيه، أستخدم المصطلحات متعمدًا عشان أخليكم تفكرون إنه عندي سالفة أكبر من اللي أقولها). وكل ذلك انطلاقًا من الجذور الإمبريالية المترسخة عبر السنين:
“بعبارة أخرى، لا يزال الاستعمار يواصل التحكم في اقتصاد إفريقيا وسياساتها وثقافاتها. ولكن، في المقابل، وفي مواجهة هذا الواقع، تتواصل بلا انقطاع نضالات الشعوب الإفريقية من أجل تحرير اقتصادها وسياساتها وثقافتها من تلك الهيمنة الخانقة ذات الجذور الأوروبية-الأمريكية، تمهيدًا لعصر جديد من التنظيم الذاتي الجماعي الحقيقي وتقرير المصير. إنها معركة مستمرة لاستعادة المبادرة الإبداعية في التاريخ عبر السيطرة الفعلية على جميع وسائل التعريف الذاتي الجماعي في الزمان والمكان. ويُعد اختيار اللغة، والكيفية التي تُستخدم بها، عنصرًا محوريًا في تعريف الشعوب لأنفسها في علاقتها ببيئتها الطبيعية والاجتماعية، بل وبالكون بأسره.”
على كل حال، في حين يدور الاقتباس الافتتاحي حول الترجمة وسياساتها، أود سحبه لمعنى نصف مجازي، متمثل في الهوس بمكانة الأدب غير الغربي داخل الجامعات الغربية. أقول نصف مجازي لأنه وثيق الارتباط أصلًا بالقنبلة الثقافية التي يتحدث عنها نغوغي أعلاه، ناهيكم عن ارتباطه بمنظومة الرأسمالية العالمية. تقوم المنظومة -بمختلف أشكالها خلال القرون الأخيرة- على استخراج فائض القيمة وتراكم الثروات. كل تساؤل إضافي حول كيفية حدوث ذلك، أي كيفية استخراج فائض القيمة وتراكم الثروات، هو تساؤل حول الآليات التي تتداخل وتتصارع في تعديل المنظومة إياها. سموه استعمارًا، إمبريالية، إمبريالية جديدة، نظامًا ليبرالي، عولمة، ما يفرق. ما يظل بشكل عام ثابتًا خلال كل ذلك هو الغاية من المنظومة، والثنائيات التي تخلقها (مستعمِر-مستعمَر، مركز-طرف، شمال عالمي-جنوب عالمي، الخ).
سآخذ الاستعمار مثالًا سريعًا. بعيدًا عما يحاول مريدو فريدمان وهايش واقتصاديو ثمانية إقناعكم به، لا تقوم منظومة الرأسمالية العالمية إلا على السلطة والقوة والعنف. حتى ربهم الأعلى ميلتون فريدمان يؤكد أن “يد السوق الخفية لا تعمل دون قبضة خفية”، مضيفًا أن ازدهار السوق رهين بتأمين حقوق الملكية بما يُمكّن حمايتها وتطبيقها، أي بما يتطلب وجود إطار سياسي محمي ومدعوم بالقوة العسكرية. والاستعمار -بمختلف مراحله منذ القرن الخامس عشر- أحد الأشكال التي اتخذها الإطار عبر تاريخ الرأسمالية. وأي حديث عنه سيؤدي بالضرورة لثنائية المستعمِر-المستعمَر، ودور المستعمَرات في تزويد المتروبول بمواد خام وعمالة بما يُفقر السابق ويُثري اللاحق. وإضافة لذلك، عطفًا على الدور الذي تلعبه الخطابات الحضارية والتنويرية في تطبيع الاستعمار وعقلنة منطقه وتمييز مراحل تطور الشعوب على أسس عرقية وثقافوية وإثنية، نصبح قبال منظومة تمازج ما بين السطوة العسكرية والمذابح البشرية والمعرفية في سبيل استخراج فائض القيمة وتراكم الثروات بمختلف معانيها.
لونغ ستوري شورت، تلعب الجامعات الغربية دورًا رئيسيًا داخل هذه المنظومة. والبرهان واضح طبعًا. أستطيع الحديث عن كون بيرنارد لويس، أحد أبرز المستشرقين المتخصصين في تاريخ الشرق الأوسط، مستشارًا للرئيس جورج بوش الابن، أو علاقة فريد زكريا بالرئيس أوباما، وأستطيع الإشارة لدور خريجي جامعة شيكاغو في دعم نظام بينوشيه الديكتاتوري في تشيلي وغيره منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن الضرب في الميت حرام. المهم هنا تعليل اعتبار الجامعة الغربية الحديثة معقل إنتاج المعرفة البحثية، ومعقل تدريب أولئك المتوقع منهم مواصلة الإنتاج المعرفي على طول خطوط التخصص وأهدافه. وكل ذلك طبعًا في سبيل خدمة (wait for it) القوى الإمبريالية. والله أحاول بقدر المستطاع ألا أكرر كليشيهيات اليسار، بس معهم حق في هذه الأمور.
إن كنتم ملمين بصعود دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية، فمن المؤكد أنكم تعرفون تشكّلها في خضم التغيرات الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما مع أفول القوى الاستعمارية في المنطقة (فرنسا وبريطانيا تحديدًا) وهيمنة أمريكا. أدت هذه الهيمنة لتأسيس أقسام جديدة في الجامعات (بدعم حكومي واستخباراتي) قائمة على إنتاج المعرفة حول المناطق التي تعتبر محورية لأمن الولايات المتحدة. بل أن الفكرة من وراء “دراسات المناطق” بحد ذاتها هو البحث البينيّ القادر على استحضار مختلف التخصصات في سبيل إنتاج معرفة متكاملة عن المنطقة المبحوثة؛ في الجامعة الأمريكية، حيث يتدرب المتخصصون على طول منهجيات وأسس علمية محددة، تصبح مخرجاتهم البحثية قابلة للتوظيف في صياغة السياسة الخارجية.
عمومًا، عودًا لاقتباس نغوغي الافتتاحي، ليس من الصعب إذن فهم مزاعمي بأن مكانة الأدب العربي (أو الأدب غير الغربي عمومًا) جاءت في سياق كل هذه العمليات. من بابٍ أول، وجود أقسام الأدب العربي -فضلًا عن مساهمتها في ترسيخ عرقية العرب وما إلى ذلك- يهدف جزئيًا لبناء معرفة قابلة للتوظيف ضمن المنظومة المعرفية الغربية. بعبارة أخرى، لا يُقرأ الأدب العربي إلا من خلال عدسة الأكاديميا الغربية ومفاهيمها الخاصة عن المعرفة والأدب ووظائفه. كل ما لا ينسجم مع أسس المنظومة غير مرئي بالنسبة لها.
ومن بابٍ ثانٍ، لاحظوا كيف يُفترض بطالب الأدب -والإنسانيات والعلوم الاجتماعية بشكل أعم- الإلمام برموز الأدب والفكر الغربيين شرطًا لفهم الآداب المكتوبة بلغته حتى. فكأن عالم الأدب مغلق عن كل من لا يمر ببروست وجويس وهوغو وأوستن وفولكنر ولا أدري من، تمامًا مثلما أن مشروعية التفلسف تقتضي معرفة تاريخ الفلسفة الغربية عن ظهر قلب والقدرة على ترديد مصطلحات ونظريات أفلاطون وهايدغر وفيبر وغيرهم. والمصادفة أني أنهيت للتو رواية حضرت فيها شخصية تجسد كل هذه المفارقات. ففي رواية كأس مكسور للكونغولي ألين مابانكو، نجد في شوارع باريس فنانًا تشكيليًا من أصل أفريقي، يفترش الرصيف بين لوحاته التي تعكس إلمامًا عميقًا ببيكاسو وغيره من نخبة الفنانين الغربيين. وكان سيموت على حاله مجهولًا متشردًا لولا “اكتشافه” من قبل فرنسي مر بالصدفة فأدرك أن أمامه فنان من الدرجة الأولى، فنانٌ قادر على استحضار كل المرجعيات الفنية “الصحيحة” في رسم لوحاته أو أثناء تبادل أحاديثه. بل ظل الفنان المسكين حاضرًا في المشهد الفني الباريسي حتى بعدما وافته المنية. فكأنما تجسد الشخصية شرط دخول عالم الفن المصاغ أساسًا على طول معايير ورموز غربية.
ومن بابٍ ثالثٍ أخير، ثمة بعدٌ غريب لم أتبين تفاصيله حتى الآن، ألا وهو العلاقة ما بين الدول الخاضع اقتصادها للقوى الاستعمارية السابقة، ومكانة إنتاجها الثقافي وتوظيفاته في البنى المعرفية الغربية. فمثلما تصدّر المستعمَرات المواد الخام (أيًا كان نوعها) للمراكز التي تشرف على تصنيعها وتطويرها ومن ثم استهلاكها أو إعادة تصديرها للأطراف، فكذلك الأدب يُصدّر خامًا لمعاقل إنتاج المعرفة الغربية التي تُحوّله من محض “ثقافة” لمعرفة يمكن استهلاكها داخل المنظومة إياها بما يُقوي شوكتها، أو لمعرفة قابلة بدورها للتصدير لدول الأصلِ. ولكن لسه ما بحثت الموضوع بما فيه الكفاية فسأتركه لوقتٍ لاحق. برغم كل التبعثرات والشطحات والاستطرادات، والتي أرجو أن تكون مفهومةً لكم كما هي مفهومةٍ لي، نفّست عما بخاطري بدرجة كافيةٍ لأعود لـCuphead مُكفِّخًا.


