تتذكرون شخصيتكم المراهقة المتمردة على العائلة والمدرسة والمجتمع وكل شيء بالحياة؟ (ويمكن بعضنا لسه يعيش جو هالشخصية، ما يندرى). لو عاشت هذي الشخصية في لوس أنجيلس فترة الكساد الاقتصادي الكبير بثلاثينيات القرن الماضي، وكانت تنتمي لطبقة مسحوقة نوعًا ما رغم انتمائها للعرق الأبيض المهيمن، فلربما كانت زي شخصية هنري شيناسكي في رواية “الشطيرة“ لتشارلز بوكوفسكي.
كون “الشطيرة” سيرة ذاتية روائية لبوكوفسكي بلا شك سبب مهم خلاني أقرأها، خصوصًا وإنه روايته “أدب رخيص“ ما تزال وحدة من أحلى الروايات الـwtfـية بقائمتي، لكن هذا لا يعني إني قرأتها (بس) عشان كاتبها السكير العربيد اللي لسانه يقطر بذاءة. فعليًا، فيه أكثر من سبب دفعني لقراءة “الشطيرة” تحديدًا من بين مختلف العناوين اللي حاطنها على قائمتي. أولًا، كون بوكوفسكي هو الآخر معجب برواية جون فانتي “اسأل الغبار“ اللي أعدت قراءتها مؤخرًا. وثانيًا، كنت أحتاج تغيير جو جبار بعد قراءة “أرض النفاق“ ليوسف السباعي بكل ما فيها من كرنجيات الرواية العربية. وأخيرًا، معليش يعني الواحد يتحمس يقرأ بين الفترة والثانية رواية بطل مضاد، فما بالكم لو كانت رواية البطل المضاد في نفس الوقت رواية تنشئة ذات؟ (أو يمكن في هالحالة يكون الوصف الأنسب تدنيس ذات).
ومن الحين أنوّه: “الشطيرة” ما تصلح للجماعة اللي تقرأ مثلًا “الخبز الحافي“ لمحمد شكري أو “هوارية“ لإنعام بيوض وتستهجن اللغة قبل الواقع. يعني بالعربي: اللي عنده تصور طهراني أو تربوي للأدب، يمكن أنسب له يعدّي هالرواية. (تسويق مبرر لخربوشة سابقة: لماذا تستثير الروايات حفيظتنا؟)
عمومًا، بعد رحلة ثلاثة أيام ويا “الشطيرة”، أحمد ربي إنه نهايتها ما خالفت علو سقف تطلعاتي لما بديتها. رواية تتمحور حول الشعور بالمهانة، حول سلطة الأسرة وعلاقتها -كمؤسسة اجتماعية- بالمؤسسات السياسية والاقتصادية، حول المدرسة كامتداد لسلطة الدولة، حول الذكورية بصفتها أداة تعويض أدائية (Compensatory, performative tool للي سرهم مقطوع في النقد الأكاديمي)، حول رفض العالم كوسيلة لاستبطان النبذ والتعايش معه. وفوق هذا كله، تعالج الرواية كل هذي الثيمات بلغة عادية شوارعية وفجة، بحيث ما يقدر القارئ يهرب من حقارة عالم الرواية بكل ما فيها. لا أسرة ولا مدرسة ولا صداقة تقدر إنها تضفي أي لون يخفف سوء الحياة.
وإذا جاكم انطباع إنه الرواية تحاول تنسف فكرة الحلم الأمريكي وقدرة الفرد على انتشال نفسه من الفقر المدقع وصولًا للثراء الفاحش، فهذا فعلًا من اللي تحاول الرواية تتطرق له بشكل مباشر أو غير مباشر. مثلًا، كلما قعد هنري في حصة الأدب الإنجليزي، نشوف المعلمة تتكلم عن فضائل أمريكا وتميز لغتهم عن لغة الإنجليز (البريطانيين)، وكيف إنه الواحد المفروض يحمد ربه إنه انولد ببلد عظيم زي أمريكا. وبعدما نقرأ مثل هالمواعظ التبجيلية، يرجع هنري لبيتهم اللي ينتظره فيه أبوه بحزام مصنوع من الجلد عشان يلعن خيره لأنه تجرأ ولعب مع عيال الجيران (ما صارت هذي تقريبًا بهالمباشرة، بس حرفيًا أبوه كان يجلده لأي سبب يقرره). وبالتالي نشوف نوع من التباين ما بين الصورة المثالية عن المجتمع الأمريكي في هذاك الوقت، والواقع اللي يعايشوه ملايين الناس كنتيجة لنفس المنظومة اللي تمكّن من الثراء. (هذا وهنري محسوب على إنه أبيض، فكيف لو كان أسود أو آسيوي أو يهودي؟ بس ما علينا، الرواية ما تقصر في هذا السياق).
وفيه نقطة مهمة: أبو هنري نادرًا ما يتعامل ويا عنفه على إنه عنف أصلًا. الضرب والسب والتحطيم بالنسبة له كلها تربوية: الحزام جزء من صناعة “رجّال”. ويمكن هني مشكلة هنري مع تصور السلطة: من صغره وأول نموذج يعرفه للسلطة كان نموذج عنيف يزعم إنه يمارس العنف كجزء من واجب أخلاقي.
ومن السهل طبعًا تفسير “انحراف” هنري ولجوؤه للشرب على إنه نوع من التمرد على الحياة اللي نشأ عليها، بمعنى إنه الكحول يصير وسيلة لطمس كل المعاناة السابقة واللاحقة. كونه ينجلد من أبوه باستمرار ولأتفه الأسباب، وكون سلطوية أبوه تخليه يحس دائمًا بكره شديد تجاهه ورغبة في قتله حتى، أكيد إنه الظروف اللي تخلي الواحد ينشأ في هذي البيئة ممكن تخليه يلجأ لأي متنفس ومهرب. ولكن هذا التفسير بيضطر لتغافل حقيقة إنه علاقة هنري بالشرب أعقد من مجرد هروب من الواقع؛ الشرب بالنسبة لهنري وسيلة لإثبات تفرده ولقمع كل القيم المجتمعية اللي خلته يصير منبوذ فعليًا أو مجازيًا. ونقدر نقارن هذا الشيء بالصورة اللي حاولوا أبوه وأمه يزرعوها فيه عن جده وأعمامه اللي طاحوا فريسة الشرب وأتلفوا حياتهم.
يعني على سبيل المثال، لسوء حظ هنري المراهق إنه طاح فريسة لحب الشباب الشائع (Acne Vulgaris)، وإنه جسمه تشوه لحد كبير من آثار الحب والندوب وغيرها. ظاهريًا، نقدر نشوف كيف هذا الشيء خلاه يحس بإنه أقبح من إنه يكون مقبول اجتماعيًا، وشعوره بإنه وحش خلاه يحاول بقدر الإمكان إنه ما يصير محط الأنظار (مثل لما راح البحر مع صديقه بس اضطر ينبطح على ظهره عشان البنات ما يشوفون آثار الحبوب). لكن هذا المرض مجرد تجلّي ظاهري لشيء يتخلل كل حياة هنري قبلها: شعوره بالنبذ من أبوه وأمه، شعوره بإنه ما عنده أصدقاء (بما فيها ردة فعله العدائية تجاه الناس اللي تحاول تتقرب منه)، وأيضًا شعوره بإنه ما عنده مستقبل أساسًا. بعبارة أخرى، ربما كان حب الشباب سبب في إنه الكل ينظر له نظرة مستهجنة، ولكن شعوره بالمهانة والنبذ يتجاوز مجرد الشكل الخارجي. وبناء على تصور هنري عن نفسه، نقدر لحد ما نتفهم عدائيته ضد كل شيء. يعني هو استبطن النبذ وهالأمور لدرجة إنه صار سلوكه تجاه الحياة هو: أنا اللي رافضنكم، مو أنتون اللي رافضيني.
أو يمكن بالأحرى نقدر نقول إنه عدائية هنري وسيلته الأساسية عشان يثبت وجوده بين الناس. هالشيء نلاحظه في أكثر من مشهد بالرواية. كلما حس هنري إنه فيه شخص أحسن منه (أو إنه الشخص يشوف نفسه أحسن من هنري)، فردة الفعل الأساسية عند هنري هو إنه يتوعده ويهدده بإنه بيتوطى في بطنه. وحتى لو نروح لواحد من المشاهد اللطيفة نوعًا ما في الرواية، لما حصل هنري على وظيفة في مستودع محل للملابس بعد تخرجه من الثانوية، نشوفه ينطرد من وظيفته بسبب إنه واحد من زملائه الأغنياء جاء للمحل اللي يشتغل فيه هنري وقعد يطقطق عليه، فما كان من هنري إلا إنه يقوله إذا كنت رجال تعال قابلني في الكراج. وفعلًا راحوا تقابلوا في الكراج وتهاوشوا.
المفارقة المضحكة شوي في الرواية إنه هنري في مرحلة من مراحل حياته تعرّف على المكتبة العامة وصار يرتادها بشكل مستمر ويستعير منها مختلف الروايات ويقرأها. لذلك نشوفه قرأ لدستويفسكي (مع إنه هالشيء ما ساعده يسبر أغوار نفسه البشرية)، وقرأ لتورجينيف وأبتون سنكلير وكم واحد زيادة من المحسوبين اليوم على الأدب الرفيع. وكان هو بنفسه يوصف كيف يلتهم الكتب اللي عنده التهام. بس على عكس توقعات القارئ المثقف المؤدب اللي يعتقد إنه القراءة تربّي الذات، نشوف هنري يتجاوز مرحلة القراءة لحد كبير بدون ما يلبس برنيطة ويدخن غليون ويشبّك بنات.
وبحكم إنه الرواية بدأت وانتهت وهنري بتول على الرغم من نفسه (ولو إنه هالشيء مو مستغرب قياسًا على كل شيء عرفناه عنه)، فبلا شك إنه مستحيل الواحد يتكلم عن الرواية بدون ما يتطرق لحضور المرأة فيها (إيه، مرأة بالمفرد، لأنه هنري بطريقة تفكيره يقسم النساء إلى نساء يقدر يضاجعهم، ونساء ما يفكر يضاجعهم). وبالتالي كل شخصية نسائية في الرواية (بما فيهم أمه تقريبًا) مجرد انعكاس لتصورات هنري عن نفسه وللسلطة اللي يمتلكها الجنس الآخر عليه، لا سيما سلطة الرفض. في كل مرة يشوف هنري وحدة يحس إنها حلوة، نشوفه لاشعوريًا يتذكر منهو هو، ويحس إنه ما عنده من الأساس فرصة تخوله إنه يتقرب لها. رغم كل رغبته وتوقه بإنه ما يصير بتول، يفشل هنري في إنه يحقق مبتغاه (مع إنه حصلت له الفرصة كم مرة وهو سكران شوي، ولكن لسببٍ ما نشوفه يهرب دائمًا).
إجمالًا، الرواية تضحّك وتخوّف وتقزز. مو صعب الواحد يندمج في عالمها برغم أسلوب الكتابة المتذبذب والجمل القصيرة واللغة اللي تضطر القارئ أحيانًا إلى إنه يتكرنج. ونقدر نضيف لهذا الشيء حقيقة إنه الرواية ما تضيع كلماتها في استكشاف “مشاعر” هنري تجاه اللي قاعد يعيشه. انضرب؟ انسب؟ انشتم؟ انهان؟ يلا للمشهد اللي بعده. ولذلك، حتى لو مو صعب نندمج في عالمها، الصعب هو إنه نخلصها بدون ما نعيد التفكير في علاقة الأدب -كمؤسسة- بالطبقية، والله من وراء القول.


