غيبة مي أم غيبة النقد الأدبي؟
حلطمات تجاه مشهدٍ بالٍ
تنويه: تفتقر السطور التالية لأي موضوعية حقيقية أو متخيلة.
ثمة روايات سيئة لأنها تخفق في خلق علاقة أدبية مع القارئ، وأخرى سيئة لأنها تفشل في توظيف التقنيات الأدبية بما يحقق الأثر المراد من موضوعاتها، وأخرى سيئة لأنها عصيةٌ على التصنيف عطفًا على تلفيقها مختلف الأساليب المتنافرة. وثمة روايات سيئة لأنها تضم جميع ما سبق، كرواية “غيبة مي” للروائية اللبنانية نجوى بركات.
على الرغم من ترشح الرواية لقائمة البوكر العربية القصيرة هذا العام (والترشح للبوكر عامل منفر بالنسبة لي)، قررت إعطاء نجوى فرصة أولى لأني لم أقرأ أيًا من أعمالها السابقة. ولذا وضعت اعتراضاتي جانبًا حين رشحنا أنا وحسين وراضي “غيبة مي” واحدًا من مواضيع حلقات كتبيولوجي القادمة، وامتنعت عن ترديد نوائحي المعتادة كلما تعلق الأمر برواية بوكرية. لكن ما إن شرعت في قراءة “غيبة مي”، أدركت استحالة انتظاري حتى موعد تسجيلنا الحلقة كي أنفس عما يخالج قلبي من اعتراضات ونوائح. ولئلا أتشعب في الخربوشة بما لا يستقيم مع مرادها، سأقصر حلطماتي على محاور الأسطر الافتتاحية.
سأبدأ بأكثر الأسباب إيغالًا في الذاتية وأشدها حاجة للتفصيل: إخفاق الرواية في خلق علاقة أدبية مع القارئ. بشكلٍ عام، العلاقة بين العمل الأدبي وقارئه ليست وليدة شروط موضوعية في هذا أو ذاك. قد يقرأ اثنان العمل نفسه، فيجد أحدهما نفسه فيه دون الآخر. ربما نتج الارتباط عن ثيمةٍ ما، كالفقد أو الحرب أو الحب، وربما نتج عن قدرة العمل على جذب القارئ عبر الأحداث المتسارعة وحبس الأنفاس، أو غيرها مما يتشكل في الحيز حين يواجه القارئُ العملَ.
سوى أن العلاقة الأدبية مختلفة بعض الشيء عن ذلك، إذ أنها قائمة على عقد ضمني ما بين العمل الأدبي وقارئه مقتضاه قدرة الأول على بناء عالمٍ سرديٍ متماسك للحد الذي يجبر القارئ على إغفال التساؤل حول أساسيات ذلك العالم. لأجرب صياغة مختلفة للفكرة: يقبل القارئ على الرواية مؤمنًا بقدرتها على توظيف التقنيات الأدبية بحد أدنى يُبقيه داخل العالم السردي دون إشكالات عويصة.
سأضرب مثالًا عبيطًا ولكنه يفي بالغرض. إذا طلبت بروستد دجاج من بوفيةٍ قريبة مني، فلدي تصور مسبق حول ما أنا مقبل على أكله: دجاج مغطى بالبقسماط وبتبهيرة معينة، يطبخ في جهازٍ يمازج بين الضغط العالي والقلي الغزير. لكن لو استلمت الطلب وفتحت العلبة ووجدت بروستد روبيان مثلًا، أو وجدته دجاجًا مقليًا بطريقة أخرى، أو ربما وجدته نيئًا بعض الشيء، فمن شأن أي واحد من هذه العوامل إجباري على التحقق من كل تفصيل، إذ من الواضح أن هناك خللًا إما في تصوري أو في الطلب نفسه.
إذا حزرتم أني جائع، فأنتم محقون. ما علينا. وش الهدف من هالمثال يا حسين؟ القصد هو أن العقد الضمني يقتضي أني سأحصل على بروستد وفق تصورٍ مسبق بيني وبين المطعم لماهية البروستد. والشيء نفسه ينسحب على العالم السردي، إذ يقوم هو الآخر على حيز مشترك بين الرواية والقارئ، حيزٍ يرتسم بواسطة التاريخ المفاهيمي والتجاربي للاثنين. ما إن يلوح خللٌ ما في الأفق، يصبح لزامًا على القارئ إما مراجعة تصوراته المسبقة، أو البرهنة على الخلل السردي في عالم الرواية. يمكنكم قراءة مراجعة حسين الضو لرواية “هذه ليست رصاصة” لفهم الموضوع بشكل أفضل.
تقصير قصة طويلة: تفشل رواية “غيبة مي” في خلق علاقة أدبية مع القارئ لأنها تبني عالمًا سرديًا متهاويًا. تستفتح الرواية صفحاتها من منظور الشخصية الرئيسية مي، والتي يبدو للوهلة الأولى أنها تسرد الأحداث إبان وقوعها. فلنأخذ البرغراف الأولى مثالًا:
- مي!
سقط الصوت علي مثل غلالة شفافة أوقفت شعر بدني وهزت قلبي فطنّ في أذني طبلًا أجوف قويًا. تسمرت في مكاني وقطعت نفسي، فساد صمت رحيم. لكن، ما إن حركت قدمي أنوي التقدم، حتى كرر الصوت اسمي بنبرة عاتبة. فكرت أن العتب ولا بد وليد معرفة سابقة والمعرفة، مهما كانت عابرة، تفترض أن الناطق ليس غريبًا تمامًا. أغمضت عيني وانكمشت أعضائي وتضرعت: يا إلهي، اجعله حلمًا أو حتى كابوسًا، لا يهم، إنما أتوسل إليك، أعني على الاستيقاظ.
وبذا لا حرج على القارئ الذي يفترض في البداية أنه قبال رواية تيار وعي بشكلٍ عام. لكن لا يدوم الافتراض أكثر من عدة ثوان، إذ يطالعنا السرد في صفحة الرواية الثانية بعبارات يُراد منها مخاطبة قارئٍ ما. عبارات من قبيل:
“سبق أن حصل هذا”
“صعد يوسف إلي كالصاروخ وفتح بنسخة المفتاح التي يحتفظ بها، ثم أعطاني صوته بعد أن جال في أنحاء البيت”
ورود هذه العبارات بحد ذاتها لا ينسف تيار الوعي، ولكنه يزرع بذرة التوضيح الموجه لقارئٍ تخاطبه مي بشكل غير مباشر. في بداية الرواية، حين ترد الجمل كما لو أنها تدور في رأس مي، لا معنى لقول أنه سبق وسمعت صوتًا مجهولًا يناديها. يصبح الأمر ذا معنى فقط حين يرتبط بقارئ يُراد إشعاره بأهمية هذا الصوت وبحضوره المتكرر. والشيء نفسه يقال عن الجملة الأخرى؛ تعرف مي امتلاك يوسف الناطور نسخة من المفتاح. فما أهمية ذكر المعلومة؟ ما علينا، بما أن السرد يعود لسابق عهده فيما يلي من سطور، يمكننا مبدئيًا اعتبار التوضيح خارج جوهر السرد.
أمزح. في الصفحة الثالثة تطالعنا مي بجزئية تدحض احتمالات كونها لا تخاطب قارئًا مفترضًا. تقول:
“شرفتي الجميلة، مضيافة ومحايدة في آن، يضمن لي ارتفاعها تسعة طوابق في عمارة يبلغ علوها عشرة طوابق وسطحًا، إطلالة بانورامية على عالم انقطعت عنه، وفضاء للسهر والترويح عن ذاتي حين يستبد بي أرق عصي”
قد يجد قارئ -مثلي- نفسه متسائلًا: من تخاطب مي بهذه الأسطر؟ قطعًا لا تخاطب نفسها، فهي تعرف كل تفاصيل سكناها وشرفتها. هل تخاطب شخصية أخرى؟ لا. إن كانت الرواية تيار وعي في الزمن المضارع، فكيف يمكن التوفيق ما بين معايشتنا الحدث إبان وقوعه من منظور البطلة، ومن ثم قراءة ما لا يستقيم إلا مع سرد استحضاري؟ مجددًا، على الرغم من صعوبة التوفيق بين الاثنين، سوى أن من الممكن فعل ذلك بتقنية بسيطة: جعل شخصية مي السارد الممسك بخيوط السرد كله. ربما أن مي تدون يومياتها، وهذا ما يجعل التداخل بين المنظورين معقولًا. تمام، أكيد أن “غيبة مي” رواية من هذا النوع.
لا للأسف. في صفحة ٣٧، تشرح لنا مي جريمة قتل حدثت في عالم الرواية. ملخص الجريمة هو أن زوجةً استخدمت سمًا لقتل زوجها والحصول على أمواله. هل يحتاج ذلك أن يتطرق السارد (مي) إلى ماهية السم وأعراضه؟
لكن التشريح أظهر أنه سم (لانيت) الشهير، المستخدم في الزراعة مبيدًا للحشرات. تنشقه بكميات قليلة يسبب صداعًا مفاجئًا، غثيانًا وتقيؤًا وانخفاضًا في نبضات القلب. لكن تناوله بكمية يسبب شللًا في عضلات الجهاز التنفسي، وانخفاضًا في الضغط، ومشكلة في النطق.
هذا مثال واحد طبعًا لحضور السارد العليم المُعلِّم في الرواية. ومجددًا للمرة المليون، يمكن تجاوز ذلك نسبيًا طالما حافظت الرواية على هذا النمط والتكامل بين الأساليب الثلاثة (تيار الوعي، منظور الشخص الأول، السارد العليم)، والحقيقة أني أكملت قراءتي على بصيص الأمل هذا. لكن لسوء حظي مجددًا، سرعان ما تهاوى الأمر. سآخذ مثالًا من صفحة ٦١، ذاكرًا الجزئية قبل التعليق عليها:
غنت لي يومها بلغتها السنهالية الرنانة، فشعرت أني أذوب بلا اعتراض بين يديها الطريتين. تجمعت الدموع في عيني، ولم تكن من حرقة أو شجن، ثم هبطت على يدي المستلقيتين على فخذي العاريين. لم يوقفها ذلك عن الغناء، ولا غير رتابة حركة المشط في يدها، كأنما كانت دموعي أمرًا طبيعيًا لا يستدعي سؤالًا أو رد فعل. لا أعرف لم بكيت يومها، لكن لطالما استدعى الصوت الجميل دموعي.
لحظة. “لا أعرف لم بكيت يومها”؟ كيف انتقلت مي من السرد المضارع (تحميم العاملة لها) إلى جعل ذلك المضارع ماضيًا لنقطة مستقبلية؟ لو قالت: “لا أعرف لم بكيت” أو “لا أعرف لم بكيت حينها”، لتزامن الاستفهام والبكاء وصار الأسلوب أقرب للسرد الآني المتبنى منذ بداية السرد، ولعدت الأمور على خير بطبيعة الحال. لكننا فعليًا أمام اختلال جديد، اختلال يجعل السرد برمته يحضر بصفته استذكارًا. أقول اختلال لأن تداخل الماضي والمضارع في الرواية غير متكافئ إطلاقًا، وليس ثمة أدلة كافية على كون السرد استحضارًا لأحداث سابقة في معرض التدوين. بل أزعم أن ذلك يخل أيضًا بتيار الوعي المبني في أغلب أجزاء الرواية على تذكر وتأمل مرتبطين بحدث مضارع (سأعود للنقطة في الحديث عن الرواية القالبية).
وتصر الرواية على نسف كل الترقيعات المحتملة بمجرد الانتقال للفصلين الثاني والثالث، والمسرودين من منظور شخصيتين مختلفتين (شبح مي ويوسف). ذلك أننا نصبح رأسًا قبال سردٍ كامل لا يتواءم مع أي ترقيعة حول كون الرواية تدوينية أو ما أشبه. يتوجه خطاب الفصل الثاني المسرود على لسان شبح مي إلى البطلة نفسها، ويحكي لها قصة سنوات الغيبة (غيبة مي، لا المهدي المنتظر). والفصل الثالث المسرود من منظور يوسف قائم على ترميم فجوات قصة مي نفسها، إذ يوجز يوسف نفس الحكاية التي سمعناها من مي، ولكن هذه المرة بإضافة أحداث جاءت بعد أعوام من رحيلها وإضافة تفاصيل لم يكن لمي معرفتها. وإن لم يكن كل ذلك كافيًا في تقويض اتساق السرد، تطل المؤلفة على القارئ بشكل فج في الصفحتين الأخيرتين من الرواية. ففي صفحة ٢٢٢، يجد القارئ ملاحظة هامشية تنسف آخر ما تبقى من أسوار العالم السردي:
لا مجال هنا لافتراض ورود الهامش على لسان مي الشخصية أو مي الساردة أو مي الشبح أو يوسف، ولا لافتراض كونه تقنية تخدم العمل. من قرر إقحام هذا الهامش التوضيحي هو المؤلفة نفسها، والتي لم تحضر بهذا الشكل الفج داخل عالم الرواية حتى الآن. والمضحك أن الصفحة التالية والأخيرة من الرواية تحمل تدخل المؤلفة الآخر، حين تنهي النص بكلمة “انتهت” وتحديد الفترة الزمنية التي كتبت الرواية -على ما يبدو- فيها “١٧/١٠/٢٠٢٢ - ٤/١١/٢٠٢٤”.
هنا تتضح الفكرة المذكورة قبل قليل، بأن العمل الأدبي الذي يُخرج القارئ من العالم السردي باتجاه أساسيات بناء العالم وتقنيات تشييده عملٌ يستحق وصف الفشل في خلق علاقة أدبية فعلية. ولا يجد القارئ الحصيف النبيه الناقد -مثلي- نفسه إلا متسائلًا عن كيفية فهم هذا التباين فيما يفترض أنه عالم سردي وحيد.
أكيد هناك شخص واحد على الأقل سيحاول ترقيع كل ذلك عبر توصيف السرد في الرواية بأنه متشظ، فهي الوسيلة الأسهل لأن يبدو المرء عميقًا وقادرًا على النفوذ لما وراء الظاهر. ولكن هو غالبًا نفس الشخص الذي يستخدم مفردة الحداثة لتفسير كل شاردة وواردة، ونفس الشخص الذي لا يجيد سوى قراءة الروايات التي تنطبق عليها تبويبات النقد المعتادة. ولذا فالقلم مرفوع عنه هنا.
آمنا بالله، فهمنا يا حسين أنك لا تعتقد بتماسك سرد “غيبة مي”. وبعدين؟ هل هذا سبب كفيلٌ بسيوفك التي سللتها في المقدمة؟ طبعًا لا. ولذا سأنتقل للمحور الثاني حول فشل توظيف التقنيات الأدبية بما يخدم النص، لا سيما فيما يمكن تسميته بالنزعة القالبية في الرواية وبتعدد أصواتها المزيف.
يمكنني كتابة أربعة برغرافات على الأقل حول البناء المتضعضع لشخصية مي وشبحها، وعن انفراط العلاقة ما بين ثيمات الرواية وشكلها. يمكنني مثلًا قول أن الغيبة المزعومة لمي، والتي يحاول النص مرارًا إقناعنا بأنها شيء محوري ومهم لفك طلاسم الرواية، ليست سوى فكرة ناقصة وعبيطة. سيتنبه القارئ من البداية لتمحور ذكريات مي حول مرحلتين رئيستين من حياتها، مرحلة الطفولة ومرحلة ما بعد الزواج والأمومة. أي أن القارئ سيتنبه لوجود “فجوة” في الذاكرة. لكن رغم إشارات السرد المتكرر لغيبة مي (والتي افترضت شخصيًا أنها غيبوبة وحسب)، ليس هنالك ما يثير فضول القارئ تجاه تلك الحقبة في حياتها ولا تجاه عواقبها، إذ يستقيم النص فعليًا بها وبدونها. كما يمكنني سحب نقطة السارد المُعلِّم لأقصاها عبر تبيان تحول الثيمة لفضاءٍ شروحي (commentative) تتماهى معه المؤلفة ذات القناعات الخاصة وشخصية مي التي يفترض أنها جاوزت الثمانين. ولا أوضح على ذلك مثالًا من ضربات الخشة التي ترد في النص حول المهاجرين السوريين -من أمثال يوسف الناطور- والتصورات النمطية حول وجودهم في لبنان وتاريخ علاقات الشعبين، إضافة للمقارنات المختلفة ما بين سورية ولبنان. وسأستغل ضربات الخشة هذه للتساؤل حول أسباب غياب العامية عن أغلب حوارات الرواية حتى حلول فصل يوسف، وعما إذا كان حضور العامية ذا صلةٍ برسم التباين الجوهري بين ثقافتين.
ولكني سأمتنع عن كتابة هذه البرغرافات الأربعة حفاظًا على وقتي ووقتكم، مقتصرًا بدلًا من ذلك على نقطتين مختلفتين. كتب عبدالله العقيبي وأوفى حول ما أسماه بالرواية الإجرائية. سأرفق اقتباسًا مطولًا من مقالته:
“فالرواية الإجرائية هي الرواية التي تتبع التدابير والخطوات النظرية لكتابة حكاية ما، اعتمادًا على النظريات النقدية المتفق عليها عمليًّا، بالمعنى الصناعي، الذي يحقق أصول وعناصر العمل القصصي، من أحداث وشخصيات وزمان ومكان وخلافه، مع إعطاء هذه العناصر جانبها من الحضور الشكلي، الخالي أو المُؤجل لأسئلة الفن الروائي الحقيقية، وهذا الشكل الروائي وإن كان يتوفر على القصدية، إلا أنه يذهب باتجاه المراتب الدنيا منها، ولا يحاول الاقتراب من مستوياتها العليا، وبالتالي يحقق البعد الإجرائي فقط، الذي يهتم بالخطوات والعمليات التي تُصعِّب على المتلقي إخراج العمل من حقل الجنس الفني (الرواية)، فيظل العمل داخل حظيرة جنس الرواية من حيث الإجراء، لكن دون قيمة أو تأثير يُذكر، وكأنها رواية زائفة، لأسباب سأحاول تفصيلها لاحقًا.”
تخيلوا أن تصبح الروائية لا إجرائية وحسب، بل قالبية أيضًا؛ رواية مبنية على قالب يتخلل تقريبًا كل صفحات الرواية. في حالة “غيبة مي”، يحضر القالب بالشكل التالي: حدث مضارع، يتبعه انكشاف تبريري أو وجودي، تتبعه ذكرى أو تأمل. سآخذ بضع أمثلة، فتحملوني:
تجدون في الصورة ثلاثة برغرافات مختلفة ومتلاحقة تقريبًا. بالأحمر حددت الحدث المضارع، وبالأخضر الانكشاف التبريري أو الوجودي، وبالأصفر الذكرى أو التأمل. تخيلوا أن هذا القالب هو ما يحضر في أغلب صفحات الرواية. ما يكفي؟ طيب، هنا مثالان آخران من الصفحات الأخيرة، وتجدون بوضوح تكرار الحدث متبوعًا بالانكشاف التبريري أو الوجودي، ومن ثم التأمل:
لا أخفي انحيازي طبعًا ضد روايات جيلٍ مفجوع ثقافيًا كرس فكرة “أدبية” الرواية على هذا الشكل وباستخدام هذه التقنيات. ولا أتردد في الإحالة للخربوشة حول رواية “خاتم الرمل” لفؤاد التكرلي قياسًا على ما تتشاركه الروايتان من خلل سردي مرتبط بنرجسية كامنة في وعي روائي مشابه.
هذا القالب الذي تتبناه الرواية يجرني للشق الثاني من المحور إياه: زيف تعدد شخصياتها. كما أسلفت ذكرًا، تنقسم الرواية لثلاثة فصول أو أقسام رئيسية: مي، هِيَ (شبح مي)، ويوسف. وعلى الرغم من أن السرد في كل فصل ينبغي أن يكون مستقلًا عن الآخرين، سوى أن القارئ الحصيف النبيه الناقد الذكي -مثلي- سيجد نفسه أمام معضلة في التفريق بين الفصول لو تجاورت مقاطعها. لا أدري إن قرأتم ما ورد في الصورتين أعلاه، ولكن هذه فرصة مناسبة لقراءتها. يلا بأنتظركم.
قرأتوها؟ طيب، هل تدرون أنها من شخصيتين مختلفتين؟ كلًا من مي ويوسف استخدم القالب نفسه لسرد الأحداث: حدث مضارع، ثم انكشاف، ثم تأمل. لولا أن سرد يوسف جاء في القسم الذي يحمل اسمه، لاستحال التمييز بين صوته وصوت مي. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الفصل الثاني المسرود من منظور شبح مي. فحتى لو قال أحد محسني الظن (ولست منهم) أن هذا القول باطل من باب أن شبح مي هو أصلًا جزء من ذاكرة مي الغائبة، فإن ذلك يظل عصيًا على الفهم قياسًا على الطريقة التي صورت الرواية من خلالها الانفصام ما بين مي وشبح ذاكرتها.
مو واضحة الفكرة؟ زين، سأجرب إعادة صياغها. واحدة من ثيمات الرواية الرئيسية هي أن شبح مي يستحضر السنوات التي لم تعد مي نفسها تتذكرها، لا بأحداثها ولا تفاصيلها ولا حتى بوقعها على نفسها. وبالتالي، لو كان هذا الشبح منفصلًا فعلًا كما تقول الرواية، لاستوجب أن يمتلك أسلوبه الخاص والمستقل هو الآخر، إذ يفترض أنه بلغ من الانفصام عنها حدًا يجعله يحضر كشخصية مستقلة قلبًا وقالبًا (حتى وإن كانت مي وحدها من تراه). لكن النتيجة أنه يحضر في الرواية بنفس أسلوب خواطر منتديات مطلع الألفية الثانية، وهو نفسه طبعًا أسلوب مي التي تدعي أنها ثمانينية وتكتب كمراهقة.
عرفتم لم أقول تعدد أصوات مزيف؟ أو سأقول بوليفونية مزيفة لأني أعرف أن البعض لا يعترف بالفكرة إلا حين تغلف بمصطلحات ذات هيبة. المهم بالصياغتين أنهما يشيران لخلل حقيقي فيما يتعلق بتعدد المناظير داخل عالم سردي بات لا يحتمل الوحدة أصلًا.
كنت على وشك الامتناع عن تفصيل النقطة الثالثة والأخيرة حول لاتصنيفية الرواية، وذلك لئلا أدخل في دهاليز اعتباطية التصنيف وعدم كونه معيارًا تُحاكم به النصوص، فضلًا عن شائكية العلاقة ما بين التصنيف والوصف وما إلى ذلك. وهذا كله صحيح ومنطقي طبعًا. مع ذلك، سأعاندكم وأقول أن الرواية فشلت حتى في أن تكون مؤهلة لئلا تحاكم تصنيفيًا. ليش؟ لأنها اختارت الممازجة ما بين تصنيفات وأساليب متعددة دون تناغم حقيقي.
ذكرت في البداية أن الرواية تبدو وكأنها تيار وعي من منظور البطلة، وهو ما لم يتواءم مع الأسلوب الاستذكاري-الزمني في بعض جزئياتها. ولزيادة الطين بلة، يُكتب الفصل الثاني بشكلٍ مختلف كحكاية يحكيها شبح مي لمي نفسها. ومع ذلك، يفلت السرد من الشبح فتحضر مي بالحوار والتعليق أحيانًا. إذن نصبح أمام فصلٍ متمازج السرد، واقعي وسوريالي في الوقت نفسه. يمكن القول بأن الواقعية متناغمة مع السرد التاريخي أحيانًا، وأن السوريالي يكمل فجوات السرد الاستذكاري. ولكن الرواية ترفض الركون لذلك حين تعطي يوسف صوتًا في الفصل الأخير، مما يميل بالرواية لكفة الرواية متعددة الأصوات. هذا كله على مستوى الشكل المفترض، دون الحديث عن خواطر المراهقة. ومع ذلك، بمجرد إدخال بعض ثيمات الرواية في المعادلة، نكتشف أن الأمر أعقد مما يظهر. تبدو الرواية وكأنها تدور عن بيروت، وأن مي تمثل تاريخ وشيخوخة المدينة بشكلٍ ما. ولا شك أن تعقيد بيروت ينعكس على الذاكرة المرقعة لمي، خصوصًا في ترجيح كفة ما تعالق بها أو امحى داخل السرد. وهذه القراءة شبيهة بما أورده إبراهيم فرغلي في مراجعته بنشرة إلخ. ولكن بما أنها مراجعة تفتقر للعلاقة بين الثيمات والشكل الروائي، فلا يصح الاستناد عليها. محاولة مي كتابة تاريخها الشخصي كتاريخ بيروت (أو العكس) ظل عصيًا على التحقق بسبب أن حضور المدينة باهتٌ واستذكاري. هذا من جانب. ومن جانب آخر، إذا ما أرادت الرواية إيصال فكرة الذاكرة المتذبذبة وانفلاتها من سيطرة الإنسان، فذلك لم يتحقق أيضًا لأننا لم نشعر ولو للحظة بأن السارد غير موثوق (حين بدأت مي تفقد عقلها، انتقل السرد لشخصيات أخرى). كما أن تقسيم الرواية لفصول فرعية غير مرقمة لا يتواءم إطلاقًا مع الآنية التي يصر السرد على تبنيها؛ لماذا ينقسم السرد بين فصلين لا مسافة زمنية بينهما؟
قاربت الساعة الثالثة فجرًا وأنا ما زلت أتحلطم، وهذا غير صحي لي. ولذا سيكون مطلع مسك الختام جملة القفلة الـpunchlineـيّة في الصفحة الأخيرة من الرواية:
“كانت تقف على خشبة مسرح ما، وتؤدي دورها الأخير!”
هل أصابت المؤلفة يا ترى لعنة كتاب الـ #ق_ق_ج_ج_ج_ج_ج؟
المؤسف أني قبل قراءة “غيبة مي” كنت قد قرأت “أصل الأنواع”، وهي رواية بوكرية أخرى من قائمة ٢٠٢٦، وقبلهما قرأت “كيف تصبح فاحش الثراء في آسيا الصاعدة” التي دفعتني لكتابة خربوشة احتفائية/تأملية. ولذا فقد مررت خلال أسبوعين برحلة بدأت من علو وانتهت بانحدار. وهذا لو تعلمون سبب يبرر كل حلطمة؛ أن أبدأ برواية أعدها من مصاف أفضل قراءاتي خلال العامين الفائتين، وأتبعها بقراءتين تعيستين.
هامش: بعدما أنهيت “غيبة مي”، تساءلت عما قد يحدو بلجنة البوكر لترشيحها هي و “أصل الأنواع”. ولأني أعرف أن الجواب يكمن في ديناصورية المؤسسات الثقافية البالية، راودني الفضول لمعرفة معدل أعمار الروائيين المرشحين خلال السنوات الثلاث الأخيرة. في ٢٠٢٦، متوسط أعمار المرشحين الستة هو ٥١ سنة. في ٢٠٢٥، متوسط أعمار المرشحين هو ٤٩ سنة. وفي ٢٠٢٤، متوسط أعمار المرشحين ٤٦ سنة. وقياسًا على سوء تجربتي مع الروايتين، أتساءل: هل الجائزة تتويج رحلة آخذة في إتقان الصنعة، أم محاصصة ديناصورية لمشهد ثقافي آسن؟






