“وهكذا، فإن فكرة العودة إلى الإسلام “الأصلي” وإلى ثقافة محلية “أصيلة” والتمسك بها هي نفسها استجابة لخطاب الاستعمار ومحاولة المستعمر التقليل من شأن الإسلام والثقافة العربية وإبدالها بممارسات ومعتقدات غربية”
ليلى أحمد، المرأة والجنوسة في الإسلام (ص.٢٥٥)
“يقع الإسلام في قلب الليبرالية، وفي قلب أوروبا. فقد كان هناك لحظة ولادتهما. بل كان وجوده أحد شروط انبثاقهما على الشاكلة الهوياتية التي يدعيناها.”
جوزيف مسعد، الإسلام في الليبرالية (ص.١١)
تنويه: الخربوشة لا تناسب أصحاب القلوب الضعيفة والآيديولوجيات القوية
قبل أربع سنوات، دعوت الله في خاتمة خربوشة “لوثة الآيديولوجية القومية وعوالم ما بعد الحداثة“، أن يعينكم وقتما عدت لكتابة خربوشة أخرى عن التاريخ. ومنذ ذلك الوقت كتبت على الأقل خربوشتين إضافيتين، واحدة عن التفلسف في التاريخوالأخرى عما دفعني لترجمة كتاب التفكير في التاريخ. لا أدري إن استُجيب دعائي أم لا، بس الله يعينكم لأني سأكتب خربوشة إضافية.
القاسم المشترك بين الخربوشات الآنف ذكرها هو تسليط الضوء على محورية السؤال التاريخي في تقرير أي معرفة تاريخية ناجمة. بعبارة أخرى، كل سردية تاريخية تحمل بصمات كاتبها (أو كُتّابها)، بغض النظر عن شكل السردية أو منبعها أو قدسيتها. وربما حاولتُ في الخربوشات التشديد أيضًا على أن سيادة السرديات ليست إلا نتاج وجهات نظر الطبقات المهيمنة، بكل ما تحمله مفردتا “وجهات نظر” من معنى. ذلك أننا لا نقرأ المعلومة أو الحقيقة التاريخية دون استشفاف ما تنطوي عليه من أسس معرفية وأنطولوجية ومنهجية وما إلى ذلك. هذا سر ديناميكية القراءات التاريخية. بغض النظر عن محاولات اختزال التاريخ واحتكاره والسيطرة عليه، تبرز على الدوام قراءات بديلة تُعيد مساءلة القراءات السائدة وتعاطيها مع الحقائق التاريخية ظاهرها ومطموسها.
عمومًا لا أود الإيغال في نقاط سبق وأن فصّلتها في خربوشات سابقة. ولحسن حظكم أن هذه الخربوشة ستكون قصيرة لأسباب، إحم، واضحة. موضوع اليوم كتاب ليلى أحمد المرأة والجنوسة في الإسلام (١٩٩٢)، والذي لم تتسن لي قراءته إلا مؤخرًا. أمزح، كنت أستطيع قراءته سابقًا، ولكن التسويف القرائي ما له حل. ربما كنت قد تشبعت بعض الشيء من قراءة النقد الموجه لقراءات عصر النهضة العربية وما حولها، وربما عزوت التسويف لجهلي -حينها- بتبعات الظروف السياسية والاقتصادية على الواقع المادي الاجتماعي، أو على العلاقة بين المجالات المختلفة بشكل عام. لكن هذا قبل. بحكم أني حاليًا في حالة ذهنية أكثر رواقانًا ومعرفة (على الأقل بظني)، قررت قراءة الكتاب. وكان القرار موفقًا طبعًا. ستدور الخربوشة حول المصابيح التي اشتغلت والأسئلة التي جالت ذهني أثناء قراءة الكتاب.
نعود الآن للاقتباسين مطلع الخربوشة. أعرف تمامًا أنهما لن يروقان لشريحة من القراء بغض النظر عن خلفياتهم المعرفية والثقافية (والدينية) المختلفة، وأتفهم دوافع ذلك لحد ما. ولكن الاقتباسين -لسوء حظ هؤلاء القراء- مدخلان مهمان لفهم الأسس الإبستمولوجية التي يقوم عليها كتاب ليلى أحمد ومنهجيته في إعادة قراءة التاريخ. الكتاب عبارة عن قراءة تاريخية عكس التيار، نقد للقراءات السائدة في سبيل إعادة فهم التاريخ والحاضر. أحد أسس الكتاب هو أن التصور المعاصر للإسلام، أي الإسلام بصفته منظومة حياتية شمولية تغطي الأبعاد الشخصية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية وفقًا لأسس عقائدية محددة، وليد لحظة مواجهة الاستعمار. هذا يعني، مما يعنيه، أن العودة للمصادر التاريخية من شأنها إبراز تصورات مختلفة عما هو إسلامي، ويمكن لهذه الاختلافات خلخلة السردية الاحتكارية عن ماضي “الإسلام”.
ثمة تنويه مهم هنا: كل عودة للماضي بالضرورة عودة ذات أبعاد سياسية وسلطوية، بما فيها عودة ليلى أحمد وجوزيف مسعد. الإشكال الحقيقي يكمن في تبعات هذه العودة. ففي حين يعود البعض لتقويض سلطة راهنة، يعود آخرون لاستملاك زمام السلطة عبر إقصاء آخرين. ووسط هذه وتلك، تتوارى القراءات المغايرة كليًا وراء تراكم الصراعات متشاركة الأسس.
بالنسبة لليلى أحمد، لحظة تغلغل المصالح الاقتصادية والسياسية الأوروبية في مجتمعات الشرق الأوسط (ومثالها الرئيسي في الكتاب مصر والاستعمار البريطاني) هي ذاتها لحظة توظيف الخطاب الحضاري الاستعماري حول فوقية الغرب وثقافته ضد ثقافات الشعوب المُستعمَرة. بعبارة أخرى، التفوق العسكري والاقتصادي الغربي اعتُبر نتيجة لثقافة غربية متفوقة، وبالتالي لا شك في وجود ثقافة “دونية” عند الشعوب المستعمَرَة هو ما أدى لخضوعها. وما هو أساس هذه الثقافة في شعوب الشرق الأوسط بنظر القوى الاستعمارية؟ الإسلام. لذا شن الخطاب الاستعماري حربًا شعواء ضد مفهومه للإسلام، وهو المفهوم المناوئ للمنظومة الليبرالية التي كان يبشر بها عبر مختلف أدواته. أوردت اقتباس جوزيف مسعد تحديدًا لإبراز هذه النقطة. فمثلما يردد مرارًا وتكرارًا في كتابه الإسلام في الليبرالية، لا يُمكن فهم التصور الحديث للإسلام وتوظيفه الآيديولوجي والسياسي والاقتصادي دون فهم سياق تبلوره في مناهضة مفهوم شمولي هو الليبرالية، وعلى يد ذات القوى التي تُبشر بالحرية والتنوير والتقدم. واستشهاد ليلى أحمد باللورد كرومر في محله، إذ كان من أبرز الذين عزوا ظروف مصر السياسية والاقتصادية آنذاك للإسلام ورجعيته (تنويه ماله دخل: كتاب قاسم أمين عن تحرير المرأة يعتبر من أول المؤلفات العربية التي تبنت هذا الخطاب الاستعماري ومزاوجته فين الثقافة والمرأة والحرية ومدري إيش، وهناك من يعتبر الكتاب برمته نتاج ابن كرومر البار).
ما علينا، هناك الكثير مما يقال دعمًا وتفنيدًا لكلام جوزيف وليلى. فلنتذكر أن كل سردية تاريخية تحمل بصمات تاريخانيتها، وهذا ينطبق على السرديات التي تعجبنا مثلما تنطبق على نقيضها. مع ذلك، أنا من المعتقدين بضرورة الاطلاع على أي قراءة تدعي أنها عكس التيار، لا أقلًا لأن كل واحد فينا غارق في افتراضات لا يدرك محدوديتها إلا حين يدرك تجارب الآخرين المغايرة. وهذا تقريبًا ما تحاول ليلى أحمد فعله عبر كتابها.
أستطيع تلخيص منحى أطروحة الكتاب كالتالي: جدل المرأة (والحجاب) في الإسلام جدل حديث ولّدته المواجهة مع القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر، ومن الضروري في سبيل تقويض كل من الأسس الاستعمارية (والإسلاموية الأصولية) الخروج من عباءة هذا الخطاب. ذلك أن الخطاب الحضاري الاستعماري قد فرض ثنائية التقدم والتخلف على أنها متمحورة حول الإسلام وممارساته، واتخذ دليلها فيما أسماها قضية المرأة والحجاب في العالم الإسلامي. وبالتالي، إن كان المستعمِر قد استخدم المرأة وحجابها دليلًا على رجعية المجتمعات شرق الأوسطية وتخلف ثقافتها، فإن المناداة بالحجاب دليلًا على “تقدمية” المجتمعات وكمال ثقافاتها لا يعدو كونه قراءة استعمارية معكوسة، حيث تقبل هذه القراءة مصطلحات المستعمِر وأسسه المعرفية تجاه الواقع. ومثلما يزاوج الاستعمار بين الثقافة والمرأة والهوية لتبرير إبادته كل الثقافات الأخرى، فالخطاب الأصولي يزاوج بينها لاحتكار خطاب السلطة والمقاومة.
وهنا يأتي دور الكتب مثل كتاب المرأة والجنوسة في الإسلام. بطبيعة الحال، وكما هو واضح في عنوان الكتاب الفرعي (الجذور التاريخية لقضية جدلية حديثة)، فليلى تنطلق هي الأخرى من حداثة القضية. هذا لا يعني أن الحجاب ليس موجودًا قبل القرن التاسع عشر، ولا أن ستر المرأة بمنأى عن حمولات ثقافية ودينية وغيرها. أبدًا. كل ما في الأمر أن لحظة المواجهة مع الاستعمار -كما تشير ليلى- صادفت تبلور خطاب إسلاموي احتكر الحقيقة حول الماضي وحاول فرض سلطته على الواقع منذ القرن التاسع عشر. ولا حاجة للإشارة لنجاح هذا الخطاب في الربط بين العادة الاجتماعية والعقائد الدينية، بحيث يتحول الجدل حول الممارسات الاجتماعية والمختلفة تاريخيًا وجغرافيًا إلى جدل حول الحلال والحرام. وليست قضية المرأة والحجاب بمعزل عن سياق هذه التحولات، إذ طُمست على إثرها تعددية التاريخ لصالح سردية مؤسساتية وحيدة. ومع تراكم الصراعات التي تتبنى الأسس نفسها، نجد أن المناظير البديلة تتوارى أكثر وأكثر.
مالكم بالطويلة. ينقسم كتاب ليلى إلى ثلاثة أقسام، أول اثنين يتناولان تاريخ ما قبل الإسلام ونشأة الإسلام وعصره العباسي، وثالثهما يتناول العصر الحديث والاستعمار. تلاحظ ليلى من البداية أن غياب النساء (أو حضورهن الشكلي) عن التواريخ السائدة شاهد على ذكورية الإرث التاريخي واحتكار الذكور إنتاج كل ما يتعلق بالمعرفة التاريخية حول الماضي. ولإعادة الاعتبار لما هو مطموس، تُقحم ليلى مفهوم الجندر بوصفه فئة تحليلية تقرأ بواسطتها حضور أو غياب أسئلة العلاقة بين الرجل والمرأة بمختلف تفرعاتها وأشكالها.
ففي عصور ما قبل الإسلام مثلًا، تتطرق ليلى لحضور الحجاب في مجتمعات شرق أوسطية (مثل المجتمع الآشوري والزرادشتي والمسيحي) بصفته رمزًا طبقيًا. فالحجاب مفروض على الشريفات والمُحترمات وممنوع على الإماء والبغايا، فضلًا عن إشارته لأولئكن الواقعات تحت حماية رجل في قبال غير المحجبات المباحات للعامة. مجددًا، كل هذا في عصر ما قبل الإسلام. سأترك لكم الهواشات حول التاريخ الإسلامي وآراء مذاهبه ورجاله. المهم هنا أن ليلى أحمد تقول أن العصر العباسي لعب دورًا في مأسسة مفاهيم جندرية تعتقد بدونية المرأة، وتستشهد بكون دائرة هيمنة الخلفاء العباسيين قد ورثت ممارسات مجتمعات العراق وإيران القابعة قبلًا تحت الحكم الساساني، وهي التي كانت تبيح للحاكم امتلاك آلاف الجاريات وتعتبر المرأة محض أداة جنسية بيد الرجل. قصة طويلة قصيرة: صارت المرأة في ظل هذه التحولات في وضع غير معهود سابقًا، لا سيما مع اكتساب الممارسات الاجتماعية بُعدًا قدسيًا.
والقسم الثالث للأسف يختزل مئات السنين ما بين العصر العباسي والعصر الحديث، وليست هنالك سوى إشارات متفرقة وقراءات مبعثرة لاستمرارية بعض الممارسات وغياب بعضها، وربما غياب الأرشيف سبب مقنع. لكن على أية حال، تقول ليلى أن مفهوم الإسلام المعاصر (وهو الذي نتملك عنه مدونةً هائلة) لا يعدو كونه إعادة مأسسة لثقافة ذكورية تبلورت نتيجة الاختلاط مع الموروثات الساسانية والبيزنطية واليهودية والمسيحية، وهي الثقافة التي وظفها خطاب الاستعمار دليلًا على رجعية المجتمعات شرق الأوسطية (لمن يريد المزيد حول كيف كانت القوى الاستعمارية تقرأ حاضرها في ماضي الثقافات الأخرى، فكتاب جوزيف مسعد ممتاز). أدري، لم يخترع الاستعمار هذه الثقافات ولم يدلس ممارساتها، ولكنه ضخمها ورسخها بصفتها جزءًا من ثقافة أزلية عرقية متسامية. وبالإضافة لذلك، لم يتطرق الاستعمار لثقافات الشعوب المختلفة حبًا فيها ورغبة في تنويرها (مثلما يقول المستشرقون ويؤمن عبيد الغرب عندنا)، بل درسها وحللها من أجل إخضاعها بفاعلية أكبر. إقحام مجتمعات الشرق الأوسط ومؤسساته في الاقتصاد العالمي المتنامي منذ القرن التاسع عشر أدى إلى تغيرات جسيمة على مختلف الأصعدة، وهذا “طبيعي” إن صح استخدام الكلمة. ولكن المعاني المرتبطة بالتغيير، سواء اعتُبرت حداثة أو تفكيكًا، مرتبطة دائمًا وأبدًا بالآيديولوجيا التي تقرر قراءة الواقع ضمن أسس معرفية وباستخدام مصطلحات محددة.
لا يعني ذلك أن كتاب المرأة والجنوسة في الإسلام يقدم التاريخ “الحقيقي” أو الإسلام “الأصيل”، فادعاء ذلك سيكون طرح نفس الجوهرانية بشكل آخر (تقدمي أو نسوي أو ما بعد حداثي أو أيًا كان). ما يقدمه هو تذكيرٌ ضروري بأن التاريخ الذي نرثه ليس خلوًا من الصراع متعدد المستويات، وأن ما يبدو لنا اليوم بديهيًا وأزليًا لا يعدو كونه نتاج عمليات تاريخية وراءها فاعلون ومصالح وسياقات.
المهم، المفروض أن هناك خربوشة إضافية عن التاريخ، وإن شاء الله أنها لا تتأخر أربع سنوات.


